من أكثر الأخبار أهمية خلال الأسبوع الماضي برأيي كان الإعلان عن موافقة مجلس الوزراء على إقامة مدينة "وعد الشمال للصناعات التعدينية" والواقعة على مساحة ضخمة في منطقة الحدود الشمالية في المملكة بالقرب من مدينة عرعر. أهمية قرار كهذا تأتي من كونه يحمل رؤية استراتيجية لطالما كثر الحديث عنها. والاستراتيجية المذكورة تتمحور حول توزيع مراكز الإنتاج الكبرى على عموم مناطق المملكة. ومن هنا فإن قيام مدينة صناعية ضخمة كهذه كفيل بأن يخلق فرص عمل لسكان المنطقة، وقد يخفف بعض العبء على المدن الكبرى فيما لو توسعت الدولة في مثل هذه الرؤى في مناطق أخرى.

مدينة وعد الشمال ليست منطقة صناعية عادية مثل المناطق الصناعية التي اعتدنا عليها قرب المدن الكبرى كما قد يفهم البعض من هذا المصطلح. هذه المدينة ستصبح مركزا متقدما لصناعات أساسية كبرى في التعدين. ونستدل على ذلك بإعلان شركة معادن نيتها بإنشاء عدة مصانع هناك بتكاليف تصل إلى عشرات البلايين من الريالات.

ومما يدعم هذا القول أن الشركة السعودية للخطوط الحديدية (سار) المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة ستعمل على ربط مدينة وعد الشمال بشبكة قطارات الشمال الجنوب وتزودها بالمقطورات المناسبة لنقل منتجات مشروع معادن والمشاريع الأخرى من مدينة وعد الشمال للصناعات التعدينية وإليها. كما أن صندوق الاستثمارات العامة سيستمر في دعم مشاريع معادن والمشاريع الأخرى المؤهلة التي ستقام في المدينة، وكذلك سيعامل صندوق التنمية السعودي الصناعي المصانع التي تستثمر في مدينة وعد الشمال للصناعات التعدينية معاملة المشاريع في المناطق الأقل نموا طبقا للحوافز التي أقرها مجلس الوزراء العام الماضي، إضافة إلى حصول تلك المشاريع على الإعفاءات المقرة على حسب نظام الجمارك الموحد. إضافة إلى ما سبق فإنه سيتم ربط مدينة وعد الشمال للصناعات التعدينية بشبكة الضغط العالي للكهرباء، بما في ذلك محطات التحويل. وكذلك تخصيص استغلال مياه حوض الطويل الجوفي للاستخدامات السكنية، والاستخدامات الصناعية في مدينة وعد الشمال للصناعات التعدينية بما يكفل الاستخدام الأمثل والمستدام لهذه المصادر.

وفي السياق ذاته، أكد المهندس عادل فقيه وزير العمل ورئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، أن وزارة العمل والمؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني ستعمل جنبا إلى جنب مع وزارة البترول والثروة المعدنية وشركة التعدين العربية السعودية "معادن" في توجههما لتأهيل الكفاءات الوطنية لتوفيرها لفرص العمل التي ستتوافر في مدينة وعد الشمال للصناعات التعدينية. (الاقتصادية)

دعونا نرسم الصورة كما نتخيلها من خلال هذه الوعود. ستكون هناك حاجة إلى التخطيط الهندسي والكثير الكثير من الرسومات الهندسية سواء ما يتعلق منها في البنى التحيتية أو في المباني المخصصة. هذا سيتطلب مهندسين ومتعاونين مع هؤلاء. سيتطلب الأمر أيضا تشييد مدن سكنية، ومع ذلك ستبرز الحاجة إلى الخدمات المتصلة بذلك من مراكز تسويقية وترفيهية وداعمة. سيتطلب الأمر أيضا تطوير المطار الأقرب إلى هذه المدينة، وظني أننا نتحدث عن مطار عرعر، ومن يدري فقد يتحول إلى مطار دولي. لو صح ذلك فإننا نتحدث في واقع الأمر عن كل الخدمات المتعلقة بالنقل الجوي والأرضي. هناك ولا شك ستتولد الحاجة إلى بناء فندق أو فندقين للزائرين من مستشارين ومتدربين في بدايات توظيفهم.

مدينة كهذه ستصبح مثالية في مخططاتها ورونقها، إذ لا يمكن أن يأتي تصميمها مكررا لبعض الأخطاء التي واجهتنا في بناء الأحياء والمدن عبر نهضتنا المباركة. عليه فسوف يكون هناك حاجة إلى الاستعانة بالمكاتب العالمية لتخطيط المدن، وسيلي ذلك ضرورة تواجد مؤسسات الصيانة والنظافة وتحسين الحدائق وضبط المرور والتوسع في دور الأمن العام وفتح مراكز للإطفاء والشرطة. هناك بكل تأكيد حاجة لوجود المصارف وانتعاش لعملية الاقتراض التي سيحتاجها سكان المدينة أو الشركات الفرعية التي ستقوم بالصيانة والدعم.

كل ما سبق يعني أننا أمام فرص عمل ووظائف واعدة لعدد لا يستهان به من المواطنين ممن يتطلع إلى الالتحاق بركب التنمية من خلال المساهمة في عمل ما هناك.

هذه مدينة واحدة وفي منطقة واحدة. ماذا لو توفرت مدينتان إضافيتان كهذه أو أكبر منها في مناطق أخرى من بلادنا المترامية الأطراف؟ أترك الإجابة لكم. لنتفاءل خيرا ونشد على أيدي القائمين على المدن الاقتصادية التي سبق أن تم الإعلان عن بعضها، وأخص بذلك مدينة الأمير عبدالعزيز بن مساعد في حائل. اخترت هذه المدينة لأنني مطلع على فكرتها ومشاريعها عن قرب. مدينة حائل ستأتي مكملة ونقطة عبور للكثير من المشاريع الصناعية والتجارية إضافة إلى موقع مطارها الاستراتيجي الذي قد يتحول بعد عقد أو عقدين من الزمن إلى مركز دولي للترانزيت.

يقول الدكتور توفيق الربيعة وزير التجارة والصناعة رئيس مجلس إدارة هيئة المدن الصناعية ومناطق التقنية عن مدينة وعد الشمال: إن هيئة المدن الصناعية ستصمم وتنفذ وتشغل المرافق الاجتماعية والبنى التحتية اللازمة للمدينة خارج نطاق مشروع معادن للصناعات الفوسفاتية بما في ذلك المناطق السكنية والتجارية اللازمة لمدينة وعد الشمال لتكون منطقة جاذبة للصناعات التحويلية الأخرى والاستثمارات المختلفة، وأضاف معاليه أن الهيئة ستبدأ بتسلّم الأصول المشتركة التي تقع خارج نطاق أراضي مشروع معادن للصناعات الفوسفاتية بعد اكتمالها لإدارتها وتشغيلها، وإجراء الصيانة اللازمة لها، وتخصيص الأراضي للمشاريع الأخرى. ولفت إلى أن الخدمات التي ستقدم لشركة معادن والمستثمرين في مدينة وعد الشمال ستكون بالمستوى الذي يقدم في مدينة رأس الخير للصناعات التعدينية والجبيل وينبع. (الاقتصادية)

أختتم بالتركيز على تدريب السعوديين التدريب اللائق والمناسب للمساهمة في بناء مدينة وعد وغيرها. تطوير القدرات السعودية هو المكسب الحقيقي والأهم في كل ما نقوم به من مشاريع. إنه بناء الإنسان الذي سيحفظ للتنمية قيمتها على أرض الوطن.