من المنظومات الشهيرة في تراثنا منظومة "الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية"، سماها بذلك ناظمها الشيخ ابن القيم الجوزية. المنظومة التي اشتهرت باسم "النونية" يقول المهتمون إن أبياتها بعد التحرير تبلغ (5949) بيتا، وقد أخذت نصيبها من المدح والنقد، وتجلت عظمتها في عظم مواضيع فصولها المتعلقة بالعقيدة ومخالفيها؛ من أعظم الفصول الفصل المتعلق بالدفاع عن دعوى تنقيص الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنه قوله:

فإذا أتينا المسجد النبوي صلينا التحية أولاً ثنتان

بتمام أركانٍ لها وخشوعها وحضور قلب فعل ذي الإحسان

ثم انثنينا للزيارة نقصد القبـر الشريف ولو على الأجفان

فنقوم دون القبر وقفة خاضع متذللٍ في السر والإعلان

فكأنه في القبر حيٌّ ناطق فالواقفون نواكس الأذقان..

تذكرت هذا الفصل، وأنا ذاهب قبل أكثر من أسبوع إلى إخواني وأخواتي في نادي المدينة المنورة الأدبي، بعد أن تشرفت بالسلام على سيد الأنام، صلوات ربي وسلامه عليه، ودعوت ربي عز وجل أن يبرم للأمة أمر رَشد (يُوفق فيه أهل الطاعة، ويُهدى فيه أهل المعصية). سعدت في النادي بما رأيت من جهود ستعزز الدور الريادي للمدينة المنورة كعاصمة للثقافة الإسلامية العام القادم بأمر الله، وسرني الدور الكبير الذي يقوم به مسؤولو النادي لتفعيل البرامج الداعمة لمثقفي المنطقة، والملبية لتطلعاتهم. أفاضل النادي وفضلياته أتاحوا لي فرصة كريمة لنتدارس معاً موضوعاً محبباً إلى النفس، ألا وهو موضوع (الثقافة والحوار).. الموضوع تكرر كثيراً، ولكن الجديد فيه هو مدارستنا له معا من خلال ثلاثة محاور أساسية؛ محور الحق في التعبير، ومحور التعددية وقبول الآخر، ومحور الثابت والمتغير.

المحور الأول قصد منه التأهيل الفكري اللازم، والضمانات الشرعية، وحدود الممارسة، والأنواع الجديرة بالحماية، والصور غير المقبولة. اختلفنا قليلاً في التعبير هل هو حقٌّ أم واجب؟ واتفقنا كثيراً على أهمية تملك آلة التفكير، قبل التعبير، وأن التعبير عن الرأي يحقق مصلحة الأمة، ويسير عجلة النجاح في المجتمع، وأنه واجب محتم على كل (قادر عليه) ممن تأهل لأن يحسن التعبير ويقوم بآدابه. كما اتفقنا على أن التعبير عن الرأي كما أنه مشروع، فقد يكون ممنوعاً فيما يخالف النصوص القطعية والثوابت الدينية، أو كان مفوتاً لمصلحة راجحة، أو جالباً لمفسدة بالغة، أو كان متعدياً على حق من حقوقه سبحانه، أو على حق من حقوقه صلوات ربي عليه، أو حق من حقوق الخلق. واتفقنا على أن حرية التعبير لا تَكفل السب، وإلصاق الجرائم، والاتهام دون شبهة.

أما في المحور الثاني فقد أكدنا لبعضنا بعضا قبول التعددية من خلال تأصيل فكرتيْ الاختلاف والتنوع في إطار الوحدة، بمعنى قبول الآخر والتعامل معه في ظل الأخوة الوطنية؛ مع أي نوع من أنواع الاختلافات، فما دام أن الحكمة الإلهية اقتضت تباين الأفكار واختلافها، فإنه ينبغي أن لا نجعل الاختلاف (يفسد) للود قضيةً، وأن علينا أن نزيل الحواجز الفكرية والنفسية التي تحول دون تقبل الأفكار المختلفة، وأن لا نسيء الظَن بمن نختلف معه، أو نحاول التسلل إلى نيته.

وأخيراً وفي المحور الثالث ميزنا بين الثوابت المستمدة من العقيدة والتاريخ والتي تشكل الخصائص المميزة للأمة، والمتغيرات التي تأتي من خلال التبادل والتفاعل والتأثر وخصوصاً بعد ثورة الاتصالات.. شكراً أحفاد الأنصار.. لقد طاب التنظير معكم، وننتظر التنفيذ.