تعتبر البطالة في الدول المتقدمة مصيبة المصائب لأنها تتسبب في تدني مستويات إنفاق المواطنين، وبالتالي انخفاض ضريبة الدخل وهبوط مقدرات البلاد وانحدار اقتصاداتها تحو الكساد. لذلك لو تمكن الرئيس أوباما اليوم من تخفيض مؤشر البطالة ولو بمقدار ثلاث نقاط مئوية في الأشهر العشرة الأولى من هذا العام فقد يضمن إعادة انتخابه لفترة جديدة في العام المقبل. إلى هذا الحد تلعب الأدوات الاقتصادية بمصير الرؤساء والحكومات المتعاقبة.

في المملكة، قبل بضع سنوات فقط بدأت البطالة تلقي بظلالها على المشهد العام. خادم الحرمين الشريفين وولي العهد وعدد من مسؤولي الدولة يصرحون اليوم وفي كل مناسبة عن خطر البطالة وعزم الدولة على مواجهتها. لكن للمملكة خصوصيتها كما يقال، فالمشكلة في المملكة ليست انعدام الفرص رغم غياب بعض الاستثمارات الهامة في قطاع الترفيه والسياحة، ولا هو الكساد الاقتصادي، بل غياب ثقافة العمل بين القوى السعودية العاملة. من هنا فقد تم تصميم برنامج إعانة العاطلين بحيث لا يتم الاكتفاء بصرف الإعانة بل بدراسة وضع العاطل وتدريبه على البحث عن الفرصة الوظيفية. برنامج حافز أتى ليكشف لنا أن نسبة البطالة أعلى بكثير مما كان معروفاً ومعلناً مما يضاعف من مسؤولية وزارة العمل والقطاعات التجارية في المملكة. ومع كل الجهود القائمة حالياً إلا أن هناك الكثير من المبادرات الواجب الأخذ بها لمواجهة هذا المرض العضال.

أهم المبادرات الغائبة في حربنا ضد البطالة هي مبادرة التحفيز، أقصد مكافأة الناجحين في التوظيف من مؤسسات القطاع الخاص ومكافأة الناجحين المتفوقين من طالبي العمل. ما الذي يمنع من تصميم برامج الثواب للمتألقين سواء من بين الشباب أنفسهم أو المؤسسات التي توظف هؤلاء. لنأخذ مثالا حيا للتفوق الذي أشير إليه من خلال الحديث عن مجموعة فواز الحكير المعنية بتجارة التجزئة. فنسبة السعوديين في المجموعة تجاوز الثلاثين بالمئة علماً بأن الوظائف المتاحة هي وضائف بيع ميدانية في فروعها وليست إدارية. مؤخراً أصبح لدى المجموعة أكثر من 500 فتاة سعودية تم توظيفهن في فروع المجموعة الخاصة بلوازم النساء كما نص على ذلك تعميم وزارة العمل. يقول الأستاذ فواز الحكير رئيس المجموعة إنه تفاجأ بإنجاز الفتاة السعودية ومهنيتها، فقد ارتفعت مبيعات الفروع بنسب عالية من جهة وتدنت حالات الرجيع والاستبدال.. ويمضي الأستاذ الحكير بقوله إنه اكتشف إداريات ماهرات تخطط المجموعة لابتعاثهن إلى كندا والولايات المتحدة لكسب المزيد من مهارات البيع وضبط المخزون. عندما يبدأ العمل بهذا البرنامج فسوف تتولى المجموعة تكاليف الابتعاث مع تكاليف المرافق المحرم لكل فتاة. ختاماً ومع هذا النجاح المبهر فإن المجموعة تنوي تبني المجتمع لشعار وطني رائع يحمل هذه العبارة: "كن سعوديا ولا تشتري إلا من أيدٍ سعودية" وذلك لتعميق القبول لدى المجتمع لهذا النوع من العمل.

أتيت بهذا المثال لأهمية البيع بالتجزئة في توظيف العاطلين والعاطلات. ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال يسيطر قطاع التجزئة وحده على نصف عدد القوى العاملة الأميركية بما فيها القوى العاملة في قطاعي الصناعة والزراعة، وفي أوروبا لا يختلف المشهد كثيراً.

من معوقات انخراط الشباب في هذا القطاع في المملكة الفهم الخاطئ بأن هذه الوظيفة هي وظيفة العمر. الحقيقة أنها مجرد جسر عبور لكسب الخبرات التجارية والتعامل مع المستهلك. لا أذكر على مدى خبرتي في هذا القطاع أن أحداً استمر كاشيرا لأكثر من سنتين أو ثلاث سنوات. في القطاع الخاص يرتقي الموظف بمنصبه ودخله بسرعة البرق بمجرد التفوق في أداء المهمة. هذا ما أشار إليه الأستاذ الحكير عندما تحسس وجود الحاجة إلى ابتعاث بعض العاملين. لقد شعر بوجود صفات قيادية مخبأة في أعماق بعض موظفيه وأراد الاستفادة منها. لا شك أن هؤلاء المبتعثات سيولين مناصب قيادية في المجموعة عند عودتهن.

من أجل إبراز المتفوقين فإنني أقترح على حكومتنا البدء الفوري بوضع نظام التحفيز (بونص سكيم) للتفوق. تصميم مثل هذا النظام وتنفيذه سيبرز ويكافئ الشركات المتفوقة والجادة في خدمة الوطن من خلال توظيف أبنائه. كما أن هذا النظام ومن خلال فروعه الأخرى سيبرز الشباب المتفوق ويحفزه على الارتقاء في عمله. لو تم تصميم مثل هذا البرنامج الوطني الرائع فقد يحصد أكثر من ألف شاب سنوياً على جوائز الدولة التقديرية التي قد يصل حدها الأعلى إلى سكن مجاني. ولا غرابة هنا، فتكاليف مثل هذا البرنامج لا تساوي شيئاً أمام الثمن الباهظ الذي قد ندفعه فيما لو فشلت خططنا أو تباطأت قليلاً. أما المؤسسات والشركات المتفوقة فيكفيها تقدير الدولة وتقلد أصحابها أوسمة الإنجاز الوطني اللائقة بهم. برأيي أن التحفيز مطلوب في كل مهمة نتطلع إلى إنجازها. فكما أنه يوجد عقاب لمن يتخاذل أو يستهتر أو يمارس الغش في السعودة فيجب أن يكون هناك ثواب لائق للمخلصين الرائدين من أبناء الوطن ملاك المؤسسات والشركات المتميزة وأبنائنا العاملين المتميزين.

هذا اقتراح أرفعه في عجالة إلى المسؤولين في الدولة، متمنياً أن يلقى العناية والرعاية والاهتمام، وأن نبادر إلى الإعلان عنه أو أي برنامج آخر مشابه له في الهدف.

نجاحنا في توطين الوظائف يعني نجاحنا في بناء الإنسان السعودي القادر على بناء وطنه. ويعني أيضاً نجاحنا في المحافظة على الأموال السعودية داخل الدورة الاقتصادية المحلية، مما يعني ارتفاع القدرة الشرائية، وهذا يعني ارتفاع مستوى الخدمات وحاجتها إلى المزيد من الموظفين وهكذا.

وأخيراً هو إنجاز هائل لبرامج وتطلعات خادم الحرمين الشريفين حفظه الله الذي أخذ على عاتقه بناء هذه الدولة وبناء رجالها ونسائها ليتمكنوا من المساهمة في بناء وطنهم بأيديهم.