قد تكون قبيلة المثقفين ارتحلت أمس بقضها وقضيضها عن ميدان لقياهم النخبوي، مغادرين وراءهم ذكريات اللقاء التي لن ترتحل معهم وستبقى في زوايا المكان، وردهات الفنادق، وعلى منابر النقاش، ناهيك عما علق في الأذهان، وتشبث بعلائق القلوب، وانطبع في الأنفس. تتفرق القبيلة وتتشعب قوافلها ميممة شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، ثم يرنو كل منهم إلى نفسه في موطنه، مراجعا أوراقه حتى إذا رمق ملحوظة دونها أو تعليقا أعده ليتداخل به، سما المشهد إلى مخيلته القريبة، فيتنهد تنهيدة الحنين والشوق المضطرم للقيا أبناء وبنات العمومة والخؤولة في نسب الثقافة والفكر والإبداع.
عام ثان لملتقى المثقفين السعوديين طوى أوراقه البارحة بما فيه من سجال وجدال، من هموم وشجون، ليبقى سؤال المثقف عالقا دون إجابة سوى ما ارتضى الجمع تدوينه على شكل توصيات يعلم الله وحده متى تستحيل واقعا معيشا ماثلا، نوقشت العديد من القضايا، وطرحت رؤى كثيرة، احتدم النقاش حينا، ولطُف حينا آخر، لكن الأهم أن الجمع الذي يفترض أن يكون لف نحو ألف مثقف ومثقفة خرج بكلام كثير، وفعل قليل، فماذا عن النشر، والمسرح المغيّب عنوة، وقضايا المرأة المبدعة، وإبداعات الشباب، والأندية الأدبية التي ما تزال مؤسسات حكومية لا تختلف عن أي دائرة حكومية؟
ماذا عن الجمعيات العمومية، ونقابات الأدباء والكتّاب، ودعم المبدعين الذين يقتاتهم العوز والمرض؟ ماذا عن شباب ترسم أناملهم صنوف الإبداع على صفحات التواصل الاجتماعي دون أن يجدوا من يأخذ بأيديهم سوى بعض الأندية وعلى استحياء؟
وتجيب ردهات الفنادق، وليالي الرياض الشاتية الملهمة تحمل أصوات الجمع المتنوع حتى سويعات الفجر الأولى: سيبقى الأمل يلوح في أفق المستقبل، وستظل الأمنيات هاطلة كغيث على مشهدنا الثقافي، راجية أن تنبت أزهاره بربيع مختلف تعيد في مؤسستنا الثقافية الكبرى تشكلها، فيسمق جذعها، وتجني أجيالنا ثمارها.
قبيلة المثقفين ستعود إلى ديارها مؤملة في واقع ثقافي إبداعي ناضج، وحتى ينادي منادي الوزارة أن حي على خير العمل في المرة الثالثة، يخفت كل شيء وتنطفئ الأضواء، ويخلد منبر الحوار في نوم عميق.