يبدو أن المواجهة مع إيران لا تزال في بدايتها، لكن المواجهة الحقيقية هي هناك، في الداخل الإيراني، والواقع يؤكد أن لدى طهران لياقة عالية لا تعرف الملل، لكنها لم تعد لياقة نوعية كما كان في السابق، خاصة وأن الأذرع الإيرانية في المنطقة استطاعت عبر هذه السنوات أن تصنع لها واقعا سياسيا واجتماعيا في الدول التي استزرعت إيران على أراضيها أجهزة طائفية تمثل منطلقا فعليا لمواجهات ومخططات تبدأ ولا تنتهي. بينما هي الآن أجهزة محاصرة وغير قادرة على تلبية الطموح السياسي والاستخباراتي الإيراني.

على خلاف ما هو شائع في كل مخطط استخباراتي يتعرض للفشل، يفترض أن تتبعه حالة من الهدوء قبل التخطيط لعملية جديدة، لكن الواقع الإيراني على خلاف ذلك تماما، فكلما فشلت عملية ما أو تم إجهاض مخطط ما، يسارع الحرس الثوري للتخطيط لعملية أخرى، ذلك أن الإيرانيين أنفسهم باتوا بحاجة لإنجاح أي عملية من أجل استعادة الثقة أولا في مختلف أجهزتهم الطائفية العاملة في المنطقة، ولإيجاد حدث مادي على الأرض ينقل العمل الإيراني من مجال التصريحات النارية إلى مجال الفعل، وسعيا لترسيخ صورة النفوذ والقوة الإيرانية.

هذا الواقع يشير بكل تأكيد إلى أزمة داخلية في إيران، التي بدأت تشعر بأن عملها الخارجي بات محصورا في حالات من التصعيد الإعلامي فقط، إضافة إلى أن أجهزتها وأذرعها في المنطقة لم تعد بتلك اللياقة القديمة كما كانت، خاصة أنها تعمل بذات الذهنية الإيرانية التي تؤمن بالقائد الملهم والفرد المحوري، فلا دماء جديدة في حزب الله مثلا، ولا إمكانية للرهان على الحليف السوري في واقعه الحالي، مما اضطر الحرس الثوري إلى أن يشتغل في مختلف عملياته الجديدة من خلال الأفراد والخلايا، وهو ما سهل إفشال كثير من المخططات وبالتالي أسهم في تأزم المزاج الإيراني الذي بات يرمي بأوراقه في كل اتجاه.

الواقع الحالي في إيران يؤكد أن كل شروط وعوامل الاستقرار في تراجع مستمر، بدءا من بنية الدولة وشكلها السياسي، وصولا للأزمات الاقتصادية الخانقة والعقوبات الدولية التي أفقدت طهران مليارات الدولارات وجعلتها عاجزة عن الاستفادة من ثروتها النفطية، أضف إلى ذلك أن الجيل الجديد في إيران بات لا يرى في النخبة الحاكمة سوى زمرة من المتشددين المنشغلين بأيديولجياتهم وعقائدهم على حساب التنمية والازدهار.

والغرابة التي تحيط بشكل الدولة في إيران نتجت عنها حالات من التأزم الداخلي حتى بين المرشد الأعلى وأحمدي نجاد الذي كانت تصفه مواقع المعارضة الإيرانية بطفل المرشد المدلل.

انتهى ذلك الدلال خاصة حين قام نجاد بمحاولة السيطرة على أجهزة الاستخبارات والداخلية والخارجية، والتي هي وفق التقليد السياسي الإيراني من حق المرشد الأعلى تعيينا وإقالة.

إيران هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا تزال تحتكم إلى واقع سياسي لا علاقة له بالعصر ولا بتطلعات الأجيال، مما أدى إلى احتقان واسع في علاقاتها مع كل العالم، وفتت اقتصادها، وجعل منها مجرد عنوان إخباري يومي في نشرات الأخبار.

الخلية التي كشفت عنها الأجهزة الأمنية القطرية والتي كانت تخطط للقيام بعمليات نوعية في البحرين، لفتت أنظار المتابعين حين جاء الإعلان من دولة قطر وليس من البحرين أو السعودية، مع خلو الأجواء السياسية بين الدوحة وطهران من أي تصعيد سياسي، وهو ما أربك الإدارة الإيرانية وأسهم في حصر ردة الفعل لديها في نطاق التكذيب والاستخفاف بالرواية القطرية والبحرينية، تماما كما حدث مع محاولة اغتيال السفير السعودي في واشنطن.

من الواضح إذن، أن النشاط ألاستخباراتي الإيراني بات في أسوأ حالاته، ولم يعد قادرا – رغم كثافة مخططاته – على القيام بأي عملية على الأرض، نتيجة تراجع أجهزته في المنطقة، واعتماده على الأفراد والخلايا.

إننا أمام نموذج سياسي خرج الآن من مرحلة التصرف انطلاقا من ازدهاره إلى التصرف بحثا عن البقاء والتماسك، وهو الأمر الذي يؤكد أن تزايد العقوبات الدولية وتركيزها على تفعيل الحصار العالمي لهذا النظام سوف يضاعف حالة التصدع الداخلي، وينذر بتهدم جدران هذا النظام غير الراسخة أصلا. فلا يمكن أن يحافظ النظام على وجوده بهذه التركيبة السياسية الغريبة والقادمة من أفكار لا علاقة لها بالواقع ولا بالتحولات.