وضعت دراسة حديثة في بريطانيا النقاط على الحروف بشأن مواءمة الخريجين من المدارس والجامعات لسوق العمل. الدراسة قامت بها "Young Enterprise" وهي مؤسسة تعليمية خيرية أسست عام 1963 للعمل على المواءمة بين التعليم والعمل ونشـرت نتـائج الدراسة في صحيفة "Daily Mail" البريطانية يوم الثلاثاء 11 أكتوبر 2011.
ونتائج الدراسة مفزعة وتضع المشكلة بالتساوي على عاتق الأفراد الذين تقول إنهم لا يتمتعون بالمواقف Attitudes الإيجابية نحو العمل ولا المواقف الإيجابية على "القدرة على الإنجاز" Can-do Attitudes اللتين يقول أرباب العمل إنهما أهم مواصفتين تبحث عنهما المؤسسات الراغبة في التوظيف، كما تضعها على المؤسسات التعليمية التي تقول إن بعض الخريجين وتاركي المدارس هم بشهادات غير مفيدة useless.
الدراسة شملت مؤسسات كبيرة مثل بنك HSBC، وستاندردز، KPMG، وبروكتر، وجامبل، التي عبر رؤساؤها عن يأسهم في توظيف كفاءات محتملة عندما لم يجدوا عند خريجي الجامعات والمدارس الذين قابلوهم بهدف التوظيف مهارات وظيفية مثل الانضباط ومواقف إيجابية نحو القدرة على الإنجاز. ويقولون إن ثلاثة من كل أربعة أفراد تتم مقابلتهم لا يتمتعون بهذه المهارات الأساسية والمطلوبة للتوظيف، تلك المهارات التي لا يمكن للعمل أن يتقدم وتتم المنافسة إلا بتمتع الموظف بها. وعبر آيان سمث مدير مؤسسة Young nterprise أن الحالة تزداد سوءاً بسبب التركيز المكثف لمؤسسات التعليم على المهارات الأكاديمية والاختبارات، مما يقلل من احتمالية تخريج كفاءات تتمتع بالمهارات المطلوبة للتوظيف، ونتيجة لذلك قال أكبر رؤساء شركات بريطانية إنه ليس لديهم خيار سوى البحث عن كفاءات أجنبية أو إنشاء فروع لمؤسسات في الخارج، في محاولة للخروج من هذه المشكلة وإيجاد الحل لها.
وأكدت الدراسة في تصريح للمؤسسة التي قامت بها أن كارثة التوظيف تشمل الجميع من سن الـ16 الذين يتخرجون من المدارس إلى خريجي الجامعات في العشرينات من أعمارهم، وتقول الدراسة إن أصحاب الأعمال عبروا عن خيبة أمل كبيرة عندما وجدوا أن من تتم مقابلتهم يفتقدون الوعي والتجارب اللذين تتطلبهما المؤسسات، والقدرة على التحدث والكتابة بالمستوى (الكافي) والمهارات التقنية، وفهم الآخرين Inter Personal Awareness.
كما عبروا عن افتقار الخريجين إلى مهارات الرياضيات والمهارات الناعمة Soft skills التي تعني السلوكيات والتصرفات داخل المكتب وداخل بيئة العمل. ويضيف أصحاب الأعمال أنهم يفضلون الموظفين الأجانب، لأنهم يتمتعون بمزيد من مهارات "المواقف الإيجابية". وتضيف الدراسة أن أرباب الأعمال قد عبروا عن مخاوفهم حول توظيف الأفراد حديثي التخرج، وفي نفس الوقت عبروا عن رغبات جامحة حول توظيف الأجانب المهاجرين لأنهم يرتاحون لمواقفهم ومهاراتهم. وتقول الدراسة إن الغرفة التجارية البريطانية أبانت أن أسباب عدم توظيف خريجي المدارس والشهادات غير المفيدة هي افتقادهم لمهارات أساسية، وقررت الغرفة التجارية البريطانية في تقريرها الذي صدر الصيف الماضي أن هناك خريجين كثيرين بشهادات غير مفيدة Useless في مجالات غير جادة Non-serious Subjects.
وعندما سئل أرباب الأعمال عن مخاوفهم قالوا: "إن الخريجين الجدد لا يتمتعون بالمهارات الحسابية ومهارات البحث والقدرة على التركيز والقراءة والكتابة".
قال أحد الرؤساء: كثير من العاطلين لا يتمتعون بالخبرة في مجال عمل مؤسستنا، وأبدى كثير منهم ضعفاً كبيراً في مهارة "معرفة الآخرين" تحديداً inter personal skill. ثم انتقلت الدراسة لعمل مقارنة بين بريطانيا ودول أوروبا الأخرى ليجدوا أن الذين خارج العمل أو خارج التعليم أكثر عدداً من أولئك الذين في رومانيا على سبيل المثال. وقد علق مسؤولو التعليم على هذه الدراسة بالقول: "إننا نشارك أرباب الأعمال همّ وجود الكثيرين من الشباب بدون المهارات الأساسية وتحديداً في اللغة والرياضيات.. ولهذا نعطيها الأولوية".
والسؤال المطروح هنا هو إلى أي مدى تهتم مؤسسات التعليم بمهارات الوظيفة مثل المواقف الخاصة بالعمل والخاصة بالثقة بالقدرة على الإنجاز can do it والانضباط والتصرف داخل المكتب وداخل بيئة العمل، وفهم الآخرين. هل هذه مهارات جديدة؟ وهل هذه مهارات نحتاجها في سوق العمل؟ وهل هي السبب في وجود العاطلين لدينا؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل تتضمن مناهج المدارس والجامعات لها؟ هذه أسئلة نضعها بكل الحب والتقدير أمام المسؤولين عن تعليمنا وجامعاتنا، لبحثها واتخاذ قرار بشأنها.
إذا كانت هذه الدراسة تتضمن حكمة؛ فالحكمة ضالة المؤمن.. وعلينا الإسراع بعمل ما هو مفيد. لا بد من المواءمة بين سوق العمل والتعليم، ولا بد من الإسراع في تلك المواءمة، ففيها كل الفائدة لبلادنا ولاقتصادنا.
نتائج الدراسات العلمية لا تقبل الجدل، وصحيح أن هذه الدراسة في دولة أجنبية لكننا قد نجد في خبراتهم ودراساتهم والنتائج التي يصلون إليها اختصار طريق القضاء على البطالة والإسراع ببرامج إصلاح التعليم.
وخلاصة القول أن التعليم في أي مجتمع كان ولا يزال وسيبقى قضية. بل قضية القضايا لارتباطه بكل مناحي الحياة وبكل فئات المجتمع. التعليم مسؤول عن البطالة ومسؤول عن الاقتصاد ومسؤول عن الصحة والبيئة، وكل قطاعات الحياة في كل المجتمعات. وأرى أن المطلوب من المجتمع المساهمة والتعاون لإنجاحة، ليس فقط نقده، فالنقد سهل، لكن الأفضل تقديم الرؤى والمقترحات والتجارب التي يمر بها بعضنا وأرى أن يستفيد منها القائمون على التعليم.
الإنجاز والتطوير المتعلق بالناس ليس سهلاً، لكن البيروقراطية في التطوير وصرف الكثير من الوقت على إيصال التطوير للفصل الدراسي بالمقابل أمر غير محتمل. معرفة مكامن النقص والعجز أمر مهم والأهم سرعة التعامل معها. الآخرون يشاركون بالدراسات والرأي ليس للنقد وليس للحط من قدر الآخرين لكن للمساعدة على سرعة العلاج، هذه الدراسة وضعت اليد على مكامن الخطأ من إحدى مؤسسات المجتمع المدني واعترف القائمون على التعليم بنتائجها وقالوا "إنهم يولون أهمية قصوى لهذه المشكلات (we prioritize these Issues).
الوعي يقتضي منا المشاركة والإسهام. هذا أولاً، وثانياً أن نتائج هذه الدراسة قد أبانت أن التركيز على الأمور الأكاديمية والاختبارات لم يعد مجدياً، ولا يفيد سوق العمل. وبطريقة عملية حددت المهارات الأساسية والمهارات الناعمة المطلوبة لسوق العمل التي يجب أن تتضمنها مناهج التعليم بكل مستوياته، حتى تتحق المواءمة بين مخرجات التعليم وسوق العمل.