تقرأ بين الحين والآخر قصة من قصص النجاح لفلاح ترك مزرعته وذهب إلى المدينة وواصل تعليمه، ثم التحق بالجامعة، وبعد ذلك تم ابتعاثه ليصبح بعد ذلك الطبيب العظيم أو المهندس البارع أو الأستاذ الجامعي الفذ.. إلخ.

تقرأ أحياناً أخرى قصة ليتيم رعى الغنم، ثم انتقل بحثاً عن لقمة العيش للمدينة، وعمل هناك بالأجر ثم واصل تعليمه.. إلى آخر الحكاية المملة.. فالمطلوب في النهاية يتقاطع مع كل الكتب التي نجدها على الرف (لتحفيز الذات، أو كيف تصبح مليونيراً) التي ملأت مكتباتنا حد الغثاء.. فإن اختلفت في شيء فلن تختلف إلا في بعض التفاصيل، حول كيف أصبح الفقير مليونيراً؟ وكيف أصبح راعي الغنم بروفيسوراً؟

سأحكي لكم من الواقع شيئاً مختلفاً، حساً إنسانياً أرقى، يحرك الإنسانية في أعلى تجلياتها، ولا يبالي بمحفزات الغرائز الطفولية، سأتحدث من زاوية نظر أخرى لسيرةٍ أراها أعظم من كل هذه الحكايا المعبئة بالنجاحات النرجسية.

الحكاية عن ذلك الشيخ الوقور الذي طالب وزارة المعارف قديماً بافتتاح مدرسة في منطقته النائية بين الجبال، ومع كر السنين وتكرار المطالبة تصله الموافقة، مع تحديد مقر سكني لهذه المدرسة، فلا يجد سوى بيته يمنحه للمدرسة إلى حين، فيضع خيمة مؤقتة لأسرته، ولأن القرية كانت تتذمر من هذا الشيخ الوقور الذي يسرق أبناءها بافتتاح المدرسة في منزله، فينقطعوا عن مساعدة آبائهم في رعي الغنم وفلاحة الأرض، فقد عاود إقناعهم بتسجيل أبنائهم من خلال مغريات المعونة الرمزية التي تقدمها الدولة للأماكن النائية، هذا الشيخ الوقور لم أدركه، ولكني رأيت كثيراً من طلبة هذه المدرسة الذين كانوا رعاة غنم بلا استثناء وقد أصبحوا مهندسين وضباطاً وأطباء وأساتذة جامعيين.

ما زلت أذكر ذلك العسكري برتبة وكيل رقيب في الجيش السعودي وهو منهك بزوجة وأطفال صغار في شقة مستأجرة، يقوم بتوفير إحدى غرف شقته المتواضعة لأخويه اللذين تم قبولهما في الجامعة، وعام إثر عام كان يفرح بتقدمهما كما لو كان هو من سيحمل البكالوريا.. كان يبتسم عندما يلتقي زملاء أخويه صدفة أثناء مرورهم بباب منزله لتسليم مذكرة أو كتاب.. كان يشد على يدي أخويه للسير مع أفضل الناس، ويضغط على مصروف أبنائه لتوفير بعض الكماليات التي رأى أخويه بحاجتها، لما يواجهانه من تمييز طبقي في أعين بعض زملائهما من أبناء الذوات.. تخرجا، وأعرف أحدهما يعمل ملحقاً في أحد البلدان العربية.

شاب أنهى المرحلة المتوسطة، وفارق أهله صغيراً كي يخفف عبء الحياة عن والده وليلتحق بأحد المعاهد الفنية، ذكاؤه الاجتماعي منحه حباً من رؤسائه، وفر له موقعاً جيداً في محل إقامته بالعاصمة، حرص على أخذ أخته معه، فحالته آنذاك لا تحتمل أكثر من زوجته وأخته، حرص على تعليم هذه الأخت التي رشحت للإعادة بعد التخرج، وهي شاعرة وأديبة لها مشاركات في الجنادرية.

هناك نوعان من مفاهيم النجاح، أحدهما ما ذكرته في بداية المقال في تحقيق النجاح العلمي المجرد من خلال الوقوف على أكتاف أصحاب العظمة الإنسانية بأنواعها، كرماً، وسمواً، بذلاً، وعطاءً، عطفاً، ورحمةً، ونبلاً.. هذه العظمة الإنسانية لمن يمد بساط عمره، فيفترشه المسافرون في رحلة نجاحهم الخاص حيناً من الدهر، ثم يستأذنونه بالرحيل، تاركين له البساط مليئاً بتفاصيلهم القديمة التي يأنفون من تذكرها.. لتجده ملتحفاً عباءة العمر بما فيها من ذكرياتهم البائسة، راضياً بما قدمه لبني جلدته في سبيل غد أفضل حتى ولو تنكروا أو استنكروا.

البعض يرى أن النجاح قمة لا تتسع إلا لواحد تتضخم أناه، فيرهق مريديه ومتابعيه بالبارانويا الخفيفة، ومع تقادم الزمن تصبح مستعصية، كأزمة البارانويا التي أصابت رموز الصحوة في الثمانينات مع المايك وشريط الكاسيت ـ لتبلغ ذروتها في التسعينات وهذا موضوع آخر ـ بينما أرى النجاح صفحة في السماء لا تضيق بالنجوم مهما تزايدت، بل تزداد جمالاً وألقاً مع كل نجم يضيء، وأعمار النجوم بيد الله، وأما ضوؤها فآيات للمتوسمين.