في القرن العشرين قادت الكثير من التطورات المعرفية والسياسية الثقافة الغربية إلى التحرك إلى منطقة جديدة ، منطقة يأخذ فيها الشك موقعا مختلفا عن السابق. جدّة هذه المنطقة لا تصل إلى حد إحداث القطيعة المعرفية الكاملة مع الماضي كما حصل بين القرون الوسطى وعصر التنوير ولكنها جدة تأتي في سياق إطار الحداثة نفسها وإن حدثت بالطبع قطائع جزئية كما سنرى في الفيزياء النظرية مثلا. نتحدث هنا عن حالة ما بعد الحداثة وهي الحالة التي أصبحت مظاهرها الاجتماعية والثقافية محسوسة وظاهرة بعد السبعينات من القرن العشرين. وقبل الدخول في تحليل لقيمة الشك داخل ثقافة أو حالة ما بعد الحداثة فإنه من المهم أولا الحديث عن التحولات الكبيرة التي حدثت في القرن العشرين تحديدا وأحدثت هذا التحول في معنى المعرفة في الثقافة الغربية تحديدا.

هذه التحولات حدثت في أكثر من مجال وأكثر من مسار وكأنها تعبّر عن تطوّر كلي للثقافة الغربية. لدينا تحولات في الفنون ، الأدب والعمارة والتشكيل وهذه التحولات بالتحديد هي التي استثارت مفهوم ما بعد الحداثة للخروج كما نرى في كتابات إيهاب حسن مثلا. لن نتحدث عن هذا الجانب هنا باعتبار أنه خارج بحثنا في المعرفة المنهجية. التحولات التي سنهتم بها هنا هي تلك التي حدثت في العلوم ، الفيزياء خصوصا وفلسفة العلوم والفلسفة والتحولات السياسية الكبرى. من خلال البحث في هذه السياقات يمكن لنا أن نتتبع حالة الشك في الثقافة الغربية باعتبار أننا نزعم ابتداءً أن هذا الشك قد أخذ طريقا جديا ومعنى مختلفا عن ذلك الذي كان عليه في عصر التنوير. وبالتالي فهو المعنى الذي يكتسبه الشك اليوم ويطرح من خلال النتاج المعرفي العالمي ويمثل الأساس الفكري الذي تدور فيه البحوث الفلسفية والعلمية.كما أنها تترتب عليه كما سنرى مواقف تجاه عملية،سياسية وأخلاقية تتعلق بإشكالات الوجود الإنساني اليوم.

بعد أن أصبح التنوير منجزا قائما ومتمثلا في الواقع المعاش في أوروبا فقد حانت لحظة نقده. وفي الحقيقة إن هذا النقد لم يتوقف بعد ولكن الذي جرى برأيي أن أوروبا وأمريكا بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية أصبحتا تشعران بأن عالما جديدا يبدأ. خروج الناس من الحرب والتخلص من خطر التدمير الأيديولوجي وبدايات الإعمار من جديد جعلت روحا جديدة تتشكل وتحاول أن تعبر عن نفسها. في هذه الأجواء ظهرما بعد الحداثة وكان من المهم إحداث فاصل عن الماضي يحدد توجه هذه الحركة الجديدة.

هذا الظرف جعل من عملية النقد التي لم تتوقف تأخذ روحا جديدة ونجد هنا ليوتار، عراب ما بعد الحداثة، يستكمل المهمة حين يحدد مهمة ما بعد الحداثة ، يقول ليوتار: "ظل العلم، منذ البداية في تعارض مع الحكايات، ولدى الحكم بمقياس معايير العلم الخاصة، يتضح أن أغلب هذه الحكايات خرافات، لكن بقدر ما لا يقتصر العلم على مجرد تقرير انتظامات مفيدة وبقدر ما ينشد الحقيقة، فلا بدّ له من إضفاء المشروعية على قواعد لعبته ذاتها. لذا فإنه ينتج خطاب مشروعية بصدد وضعه ،وهذا الخطاب اسمه الفلسفة". (مابعد الحداثة1،صـ7).

إذا كان العلم،كما يقول ليوتار،يرفض الميتاـحكايات، أي الحكايات المفارقة أو الفوقية، فإنه يضطر هو أيضا إلى اختلاق ميتا حكايات خاصة به وبالتالي فإنه لا ينبغي أن يمارس العلم الإقصاء لباقي أشكال المعرفة باعتبار أن حجته لهذا الإقصاء تنطبق عليه أيضا. نجد هنا أن ليوتار يأتي في سياق فلسفة العلم التي تحدثنا عنها سابقا.

قضية ما بعد الحكاية الأساسية هي مع الإقصاء الذي كان يمارس باسم العقل والعلم تجاه أشكال أخرى من المعارف، الأساطير، والميتا-حكايات كما أن قضية ما بعد الحكاية تكمن مع التنميط الذي فرضته العقلانية الظافرة على الإنسان أو كما عبّر عنه ماركوز "الإنسان ذو البعد الواحد". يقول ليوتار معرّفا الحداثة،" فإنني أعرّف، ما بعد الحداثي، بأنه التشكك إزاء الميتا-حكايات، هذا التشكك هو بلا شك نتاج التقدم في العلوم ،لكن هذا التقدم يفترضه سلفا..". حين تقدم معرفة ما على أنها مطلقة فإنها ستنزلق مباشرة نحو الإقصاء والنفي للأشكال الأخرى من المعرفة، وهنا يكمن نقد ما بعد الحداثة يقول ف.ريبيه "ترفض ما بعد الحداثة أن تعتبر مجموع قيم الحداثة (العقل،الدهرنة،الفردانية) بمثابة خير مطلق.فكل الفكر الحديث يحتفظ بنوع من، الإيمان، بالحداثة.لكن منذ نهاية القرن التاسع عشر الميلادي بدأ يظهر العديد من الانتقادات الخطيرة للحداثة ،وبخاصة النقد الذي وجهه مارس في المجال الاجتماعي والسياسي،والنقد الذي وجهه نيتشه لمسألة القيم". (ما بعد الحداثة1،صـ43).

في هذا العصر، عصر ما بعد الحداثة، انطلاقا من سبعينات القرن العشرين، يتغلغل الشك بشكل لم يكن له مثيل، أو كما يعبّر نيقولا أربن أن "ما بعد الحداثة عصر يغزوه الشك".( ما بعد الحداثة،صـ16). لا شيء مغلق على النقد في عصر ما بعد الحداثة، أسست الحداثة لهذه القيم وهي تستمر الآن مع ما بعد الحداثة بشكل جوهري وعميق. هذا النقد لا بد أن يؤدي إلى تغيير، شهدنا التغيير في العلم والفلسفة ونظرية المعرفة كما أن تغيّرا اجتماعيا يحدث وبقوّة ونحن نعلم أن عصر ما بعد الحداثة هو عصر ظهور المهمّش وعودته للفاعلية . يعبّر ب.ووه عن هذه التغيرات قائلا: "ومن ثم يحل اللايقين ما بعد الحداثي محل الشك الحداثي.فإن كان من المستحيل التحرك خارج أدوات التحقيق أو الاستجواب(التي هي اللغة بشكل أولي)من أجل الاتصال بالحقائق في العالم، فلا بد أن يحل الحوار محل الديالكتيك (سقراطيا كان أم هيجليا) وأن تحل "المحادثة" التأويلية محل دقة "المنهج" الديكارتي".(ما بعد الحداثة 2،صـ55).في الأسبوعين القادمين سنتحدث عن الشك في الفيزياء الحديثة وفلسفة العلم في العصر الحديث بوصفهما تمثّلين الشك في العصر الحديث.