يوم الثلاثاء الماضي 9 أغسطس 2011 كانت مناسبة الذكرى الثالثة لرحيل الشاعر العربي الكبير محمود درويش، رحمه الله، وقبل ذلك بثلاثة أيام تظاهر العشرات من الفلسطينيين أمام مقر التلفزيون في رام الله مطالبين بوقف عرض مسلسل "في حضرة الغياب" الذي يتناول سيرة الشاعر الراحل، وهو من بطولة ممثل يدعى فراس إبراهيم ومن إخراج نجدت أنزور!! وتمنيت لو أنني كنت معهم لأقوم بهذا الحق والواجب دفاعاً عن سيرة شعرية وثقافية وإنسانية فذة قد لا تتكرر في المستقبل القريب ولا البعيد، فما حدث في المسلسل تشويه صورة درويش "باختراع قصص وصور نمطية وسطحية، كما أنه لم يراع الشخصية الفنية العميقة بأبعادها كافة، وأن العمل استغل اسم درويش بشكل تجاري لترويج بضاعته فيما كان المضمون أبعد ما يكون عن المعالجة الحقيقية لسيرة حياة شاعر كبير من شعراء العرب"... بل هو في رأيي واحد من أكبر شعراء العرب على مر التاريخ!
في شتاء 1997م كنت في القاهرة أحضر مهرجاناً شعرياً عربياً ينظمه المجلس الأعلى للثقافة في مصر، مما ساعدني على الخروج بمواد صحفية متنوعة لصالح الصحيفة التي أعمل بها. ومن ضمن الشعراء الذين التقيتهم شاعر مصري يعد من رواد الحداثة هناك وذا توجهات شيوعية، فنثرت له عدداً من أسماء الشخصيات الثقافية والأدبية والفكرية والإبداعية والفنية في العالم العربي طالباً من الضيف توجيه أسئلة تحمل رأيه وموقفه عبر رسائل مختزلة يبعثها إلى هذه الأسماء، استجاب الشاعر الاشتراكي وأرسل صواعق الكلام إلى معظم المختارين، وكان منهم الشاعر الكبير "محمود درويش" حيث وصفه بالمتغطرس، متهماً إياه بالترفع عن النزول إلى الشارع والاختلاط بالعامة والبسطاء في المقاهي الشعبية، أو في هذا المعنى، بل إنه أضاف كلاماً لم أنشره حينها يتعلق بالسيارات الفارهة التي يركبها عند نزوله ضيفاً هنا أو هناك وأنه يتأنق كثيراً في لباسه... إلخ. كنت أضحك كثيراً في داخلي، لأنني التقيت بمحمود درويش في نفس المهرجان ولم أجده كما يشاع عنه في أوساط المثقفين وبعض الصحفيين بأنه طاووس ومتكبر ومغرور. نعم كان أنيقاً ويتوافر على ذوق رفيع في هندامه وعالي القيافة، كأنما يحاكي شعره وإبداعه المتفرد لغة ومجازاً وتركيبا. وأذكر أنني عندما سألته في ختام لقائنا عن تهمة الغرور، انفجر ضاحكاً ورد متسائلاً: هل وجدت هذا فيّ؟ قلت له: لا. قال؛ دافع عني، إذاً، واكسر هذا الانطباع الخاطئ. كان درويش بسيطاً ومرحاً وصاحب نكتة، وكان في الوقت ذاته ملتزماً تجاه القصيدة لا يضيع وقته في عبث يصرفه عن الشعر والقراءة، غير عابئ بما يمكن أن يقال عنه من مثل الذي تكلم به ذلك الشاعر وما يتكلم به اليوم حاسدوه من الشعراء الآخرين، وهو ما كشف لي عدداً من الدروس النافعة التي تعلمتها في رحلتي تلك، وأثبت أنه ليس بالضرورة أن يكون الفنان أو المبدع صعلوكاً وفقيراً رث الثياب (مبهدل الخلقة)، لأن الفن الحقيقي يسمو بصاحبه ويجعله أكثر نظاماً ونظافة وترتيباً في كل شؤونه، وقد كان فضل الله عليّ كبيراً حين ألهمني رشداً وعقلاً يبعدني عن مستنقع الأوهام والأفكار المضللة التي كان يتم تكريسها في الوسط الثقافي والفني، للأسف، عبر ممارسات بعض شعرائه ومبدعيه وفنانيه، وربطهم الإبداع والفن بالبوهيمية والعدمية والسهر.
تذكرت هذه الحادثة بعد رحيل محمود درويش عن الدنيا قبل ثلاثة أعوام وبضعة أيام، فلم ينتظر حاسدوه وأغياره، أيْ من يغارون منه ومن قصيدته الفاتنة والمتجاوزة في غنائيتها ولغتها، لم ينتظروا طويلاً حتى أخرجوا ضغائنهم وأحقادهم تجاهه، مثل ذلك الشاعر المصري الذي أشرتُ إليه أعلاه، فكتب كاتبٌ مصري يدعى أنيس منصور مقالة عن محمود درويش بعد رحيله مباشرة، وهي مقالة قصيرة مارس فيها الكاتب كل الإسقاطات الخبيثة تجاه الشاعر الكبير فأظهره بائعاً لقضيته ومرتمياً في أحضان المومسات الروسيات!! وهذا جبن عظيم من الكاتب، فكيف يتطاول على شاعر لم يعد قادراً على النبض وسكت قلبه إلى الأبد؟ وأجدني أتساءل مع الصديق الزميل الأخ الشاعر عبدالمحسن يوسف عندما كتب في صحيفة الحياة، قبل شهور، رأيه القوي بعد حوار أدونيس والذي تناول التجربة الشعرية لمحمود درويش بكثير من الانتقاص، فعلق عبدالمحس متسائلاً بقوة المنطق: "لماذا لم يصدع أدونيس بآرائه الجريئة هذه عالياً، حين كان أكثر من رشقهم بحجارته على قيد الحياة؟ هل بات هو الآخر «ناقد جثث» على غرار «مؤرخ الجثث»؟، هل قال ما قال بعد أن ضمن تماماً أن المقابر لا تتحدث ولا تتقن فضيلة السجال؟ الأمر الذي يضع هذا الشاعر الكبير رهن مساءلة أخلاقية بالدرجة الأولى، لأن ليس في قتل الموتى أي نبل على الإطلاق"!
ثم جاء الدور على الشاعر شوقي بزيع ليأخذ حصته من قبر محمود درويش، فقد التقيته مؤخراً وسألته عن مدى تأثير الشاعر الراحل محمود درويش في شعره؟. لم أتوقع أنه سينفعل إلى درجة أن غضبه كان يتطاير منه كشرر النار حيث قال إن هذا ظلم كبير لقصائده! ولم يكتف بهذا بل فجر مفاجأة كبيرة حين اتهم الشاعر الراحل محمود درويش بأنه هو من تأثر به بل إنه، يقصد درويش، كتب قصيدته "امرأة لا أقل ولا أكثر" في ديوانه سرير الغريبة، بنفس بناء وأجواء قصيدة قديمة له، كما أن هناك قصيدة أخرى لدرويش تحمل عنوان "يطير الحمام يحط الحمام" مأخوذة من قصيدة سابقة له ليس بناء فقط، ولكن حتى بعض الجمل والتراكيب، مؤكداً أنه سيتحدث بالتفصيل وبشكل أوسع عن تأثير تجربته على تجربة درويش في وقت لاحق. وقبل أن يسترسل الشاعر في مزاعمه تجاه الرمز الشعري الراحل توجس خيفة حين رآني أمسك بهاتفي المحمول على المائدة فسألني: هل أنت تسجلني؟ رجاء لا تفعل ذلك!" قلت له كلا وعرضت له هاتفي كي يتأكد بنفسه، لكنه عاد للحديث كاشفاً عن نص مترجم قصير لأحد الشعراء الغربيين من أربعة أسطر أخذ منها الشاعر اللبناني الكبير عباس بيضون سطراً ووضعه عنواناً لأحد دوواينه "الموت يأخذ مقاساتنا" دون أن يقوم بتنصيصه أو وضعه بين هلاليين وفقاً لأخلاقيات الكتابة وقواعد الاقتباس. سألت بزيع إن كان هذا التصرف يعد سرقة أو انتحالاً فرفض هذه التسمية والتوصيف وأكّد لي أنه قال لعباس بيضون هذه الملاحظة فرد عليه إنه لم يتعمد تجاهل هذا الأمر ولكن الشاعر أو الكاتب قد يقرأ شيئاً لافتاً وعميقاً ويعجب به جدا وبعد فترة ودون أن يشعر قد يكتب نفس الفكرة ونفس العبارات.
إن ما فعله نجدت أنزور وفراس إبراهيم وما قاله أدونيس وأنيس منصور وشوقي بزيع بخصوص محمود درويش الذي يرقد بسلام في قبره، هو من قبيل إعلان حرب غير أخلاقية، لأن الطرف الآخر ميت ولو كان حياً لما تجرأ نجدت وفراس على العبث بسيرته وتسطيحها، ولما تطاول بزيع وقبله أدونيس وأنيس منصور على قامة درويش، لأنه قادر على الدفاع عن نفسه وعلى المواجهة تماماً مثل قصيدته المتوهجة والتي ستبقى مختلفة وحية كالخلود. ولو كان لمحمود درويش أن يقول شيئاً تجاه كل هذا العبث لصرخ فيهم: أنا هنا.. وما عدا ذلك شائعة ونميمة!.