العلاقات السعودية الروسية لا يمكن بحثها دون تذكر، أن الاتحاد السوفيتي المنحل، كان أول دولة اعترفت رسمياً بالمملكة العربية السعودية، في 16 فبراير 1926، وأقامت معها علاقات دبلوماسية، حين سلم كريم حكيموف القنصل السوفيتي المفوض في جدة، الملك عبدالعزيز آل سعود، مذكرة اعتراف بشرعية ملكه على الحجاز ونجد وملحقاتها، قبل أن يأمر ستالين بسحب البعثة الدبلوماسية السوفيتية عام 1938، حيث دخلت العلاقة بين الجانبين في حالة من التذبذب استمرت حتى عام 1988، حين زار وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل، نظيره السوفيتي اداورد شيفارنادزه، وبحث معه الانسحاب السوفيتي من أفغانستان، ثم وصل إلى السعودية مدير قسم الشرق الأوسط في الخارجية السوفيتية فلاديمير بولياكوف، والذي اجتمع بالأمير سعود الفيصل، وكان أول شخصية رسمية سوفيتية تدخل السعودية منذ نحو نصف قرن، والذي قابل حينها في الطائف وفدا من المجاهدين الأفغان، مما مهد للانسحاب السوفيتي من أفغانستان، في 18 فبراير 1989.
غزو الكويت
وبعد الغزو العراقي للكويت، كان الموقف السوفيتي متوافقا مع موقف دول مجلس التعاون الخليجي، وبدلاً من معاضدة موسكو للعراق باعتباره حليفاً لها في المنطقة، وزعت الخارجية السوفيتية بياناً أيدت فيه قرار مجلس الأمن رقم 662، الذي اعتبر ضم الكويت إلى العراق، عملاً باطلاً وغير شرعي. وفي صيف 1990 وصل إلى موسكو الأمير بندر بن سلطان، وهو يحمل تفويضاً رسمياً من دولته، تعرب فيه عن استعدادها لإقامة علاقات دبلوماسية كاملة ورفيعة المستوى. وبعد ستة أشهر قام وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل بترجمة تلك الاستعدادات، إلى تطبيع تام للعلاقات الدبلوماسية مع موسكو، في عام 1991.
مخاض دائم
عقدان من العلاقات حملا تحديات مختلفة للعالم بشكل عام، ومنطقة الشرق الأوسط بشكل خاص. حيث كانت أحداث 11 سبتمبر، وما تلاها من حرب عالمية على الإرهاب، والغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق، والتحولات في المواجهة الإيرانية مع الولايات المتحدة وحلفائها في الغرب على خلفية برنامجها النووي، والتغيرات الداخلية في مختلف الدول العربية، من السودان إلى سوريا ولبنان واليمن، والتحول في الوضع الاستراتيجي التركي، وبروز أنقرة كلاعب رئيس في المنطقة، كل ذلك التبدل في الخارطة السياسية، دفعنا إلى لقاء السفير الروسي لدى السعودية، أوليغ اوزيروف لمعرفة الرؤية الروسية تجاه ما يدور من تطورات متسارعة في المنطقة.
مواقف متشابهة
السفير الروسي، أكد في حديثه مع "الوطن"، أن نقاط الالتقاء بين السياسة الخارجية للرياض وموسكو كثيرة، قائلا إن مواقفنا متشابهة وقريبة وموحدة. آخذا في تناول القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها الصراع العربي الإسرائيلي فقال "نحن والسعودية نؤيد عملية السلام والمفاوضات المباشرة بين الطرفين (الإسرائيلي والفلسطيني)، وبيان الرباعية في أغسطس جاء متوافقا مع الموقف السعودي، الهادف إلى إيجاد حل شامل للقضية، يبدأ بتجميد الاستيطان، وعدم انطلاق الطرفين إلى خطوات أحادية استباقية، للحل النهائي"، مؤكدا أن هذه الخطوات الاستباقية هي "المعرقل الأهم في عملية السلام العربية الإسرائيلية، فهي خطوات يتخذها جانب واحد مما يعرقل سير المفاوضات".
الاستقرار في المنطقة
السيد اوزيروف، أكد أن روسيا والسعودية تريدان الاستقرار في المنطقة، وتنظران على سبيل المثال إلى الملف اللبناني بشكل مختلف عن الآخرين، حيث يريدانه "لبنانا قويا مستقرا، قادرا على حماية وحدة أراضيه وسيادته. والأمر ذاته في العراق، - بحسب أوزيروف - نريد تشكيل حكومة وحدة وطنية تدعم استقراره، وأن تكون هذه الحكومة ممثلة من مختلف فئات المجتمع العراقي وأحزابه، مما يزيد من فعاليتها، ولتكون قادرة على حل المشاكل الكبرى التي تواجهه، في ظل انسحاب القوات الأمريكية، والتحديات العديدة التي تواجهها سياسيا واقتصاديا وأمنيا". كاشفا عن أن هنالك مشروعا روسيا تعمل على ترويجه "لإنشاء منطقة استقرار وتعاون"، وهو "مشروع متكامل، قابل للبحث، لتكون منطقة يسود بها الأمن بالجهود الجماعية للدول الواقعة ضمن هذه المنطقة"، معتبرا أن ذلك "يتطلب الإرادة السياسية، ومعالجة النزاعات الداخلية، والاستفادة من تجربة أوروبا التي نجحت في معالجة المشاكل الداخلية، وترتيب البيت الداخلي الأوروبي، قبل التحول إلى اتحاد في شكله النهائي، وهو ما تطلب جهودا كبيرة، وإرادة شعبية وسياسية، وبالتالي أصبح الوضع في أوروبا قادرا على تفادي النزاعات الكبرى، بعد الحرب العالمية الثانية، من خلال إيجاد المعالجات السياسية، ونحن نرغب في نقل التجربة إلى الشرق الأوسط والمساهمة في تنفيذها".
شراكة دائمة
الرؤية المتقاربة بين الرياض وموسكو، دفعت السفير الروسي إلى الحديث عن الشراكة بين البلدين على المستوى العالمي، قائلا "نحن نعمل معا ضمن مجموعة العشرين، والمملكة هي الدولة العربية الوحيدة في هذه المنظومة، وهذا عامل آخر مهم للتعاون معها، خاصة أننا نرى أن مواقفنا متقاربة، وتعكس اهتمام الطرفين في حماية الاستقرار المالي العالمي"، مشيرا إلى أنه لا يتذكر نقاط خلاف بين موسكو والرياض، لكنه يعجز عن إحصاء كافة القضايا التي تجمع الطرفين.
العلاقات مع سوريا
وحول العلاقات الروسية السورية، وأهميتها في إيجاد واقع استراتيجي صعب أمام التحركات الأمريكية الإسرائيلية، بين أن "العلاقة التي تربط روسيا بالجمهورية السورية قائمة على مبادئ المساواة، والتعاون البناء لإيجاد الحلول لكافة الإشكالات الإقليمية"، موضحا ذلك بقوله "هناك من يسألنا هل لكم مصلحة من السلام في الشرق الأوسط؟ وجوابنا نعم، نريد السلام ضمن القانون الدولي والشرعية الدولية، هذا ما يمكن اعتباره خصوصية الموقف الروسي، فلا ازدواجية في مواقفنا كما يفعل غيرنا، فنحن نقول نفس الكلام للإسرائيليين والسوريين، بأنه يجب إيجاد حل لقضية الشرق الأوسط، من خلال معالجة أكيدة وحاسمة لجوهر القضية في فلسطين، ومعالجة مشاكل سوريا ولبنان، المتعلقة بقضية السلام، من خلال معالجة قضايا الحل النهائي، وخاصة مشكلة اللاجئين"، مؤكدا أن "روسيا لا تسعى إلى الاستفادة من النزاعات بين الأطراف، لكنها تؤيد الاستقرار، خصوصا في هذه المرحلة المعقدة".
الدور الروسي
وعن محاولة بعض القوى تعطيـل الدور الروسي، اعتبر السفير اوزيروف أن "المهم ليس الإجراءات، ومن ساهم في تحقيق النجاح، لكن المهم هو تحقيق النتائج، والتي تعني إيجاد حلول لمشاكل المنطقة، من خلال الجهود الدولية. فلا توجد قدرة لطرف واحد في معالجة كل المشاكل، ونحن في روسيا نعمل ضمن الرباعية لدعم القانون الدولي، ونؤيد مبادرة خادم الحرمين المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي، كحل للقضية، وهو ما تتبناه الجامعة العربية كحل شامل"، موضحا أن "آخر بيان للرباعية، كان يحمل دعوة للأطراف لمواصلة الحوار، والامتناع عن الخطوات من جانب واحد للحل النهائي، وهو أمر متوافق تماما مع الموقف الروسي".
مواجهة الإرهاب
وفيما يتعلق بالملف الأمني، أوضح السفير الروسي، أن توجه موسكو يتقاطع مع رؤية الرياض لمعالجة قضايا التطرف والإرهاب، من خلال دعم حوار الحضارات، وقال "روسيا والسعودية تنطلقان من ذات المبادئ والطموحات، للتصدي للفكر الداعي للصدام بين الحضارات، فمبادئنا نحن في روسيا لحوار الحضارات، تتوافق مع مبادئ خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وهي لم يطلقها فقط لأجل مصلحة بلده، ولكن لمصلحة البشرية كلها"، معتقدا أنها "تهدف إلى إيجاد مواقع مشتركة، ونقاط التقاء وتقارب بين الحضارات المختلفة، والبحث عن رؤية مستقبلية مشتركة"، مشيدا بدور السعودية في دعم حـوار الحضـارات عالميـا لما لهـا مـن ثقـل، مؤكـداً أن "دورها هـام، لأنها رصيد الإسلام، وأرض القرآن الكريم، وبلد الحرمين".
حرية الأديان
وفيما يتعلق بالأديان وحرية الاعتقاد والتعبد، أبان السفير اوزيروف، أن روسيا "تتفهم الثقل العقدي الذي تمثله السعودية"، موضحا أن روسيا "تقر حرية الإيمان والأديان، بسبب خبرتها الطويلة في مجال التعايش بين أتباع الأديان المختلفة، كونها بلدا كبيرا جدا، متنوع الحضارات والثقافات واللغات، حيث يوجد فيه 130 لغة، مما يدفع أبناءها للتعايش السلمي بين الحضارات والأديان، ويدفعها للتعامل البناء مع السعودية".
النووي الإيراني
أمام هذه الإجابات الواثقة والصريحة، توجهت إلى ضيفي بالسؤال، عن الموقف من البرنامج النووي الإيراني، والعلاقة مع طهران، قائلا له: سعادة السفير، طالما تحدثت قبل قليـل عن المصداقيـة، وعدم الازدواجيــة، فالبعض يرى في موقفكـم من الملف النووي الإيراني ازدواجية ما! فأنتم تشغلون وتبنون المنشآت النووية الإيرانية، وتصوتون بنعم ضد القرارات الدولية التي تعاقب إيران على مشروعها النووي. ضحك السفير، ليجيبني قائلا "أعتقد أن هنالك تفسيرات متعددة دائما. والبرنامج النووي السلمي لأي دولة، لها حق تطويره، طالما أنه سلمي، بل إن المجتمع الدولي يسهل نقل التقنية والإشراف على تنفيذه، وتوفير القدرات العلمية لذلك، وهو أمر متاح لكافة الدول. ومن هذا المستوى نحن نبني علاقتنا مع إيران، ونتعاون لإنشاء البرنامج النووي، وهو لا يختلف أيضا مع مواقفنا الأخرى ضد تحويل إيران لبرنامجها، من التوجه السلمي إلى العسكري. وهناك متطلبات للوكالة الدولية للطاقة النووية، من حقها الحصول على إجابات عليها من قبل إيران حول نشاطاتها النووية، وأهداف برنامجها"، مضيفا "نحن نرى في روسيا أن هناك دائما عملا يجب أن يتم، ونرغب في رؤية المفاوضات تعود بين طهران ومجموعة الخمسة زائد واحد، وأن تتم المعالجة ضمن هذا الإطار. وفي الوقت ذاته نحن نتمسك بمواقفنا وراء قرارات مجلس الأمن، وجميع الخطوات المتخذة، ونحن نتمسك حرفيا بكل ما هو مكتوب في هذه القرارات، ونلتزم به، والتي لا يوجد بها ما يمنع تشغيل مفاعل بوشهر".