نواصل في هذا الحديث قراءتنا التاريخية التحليلية للموقف الأوروبي الذي ارتبط بما أطلق عليه مجازا بربيع الثورات العربية، على أمل أن نستكمله في حديثنا القادم, لقد انتهينا في الحديث السابق بسقوط حائط برلين وانهيار الإمبراطورية السوفييتية, وقد كان ذلك إيذانا بنهاية الثنائية القطبية.
كان أول إعلان أمريكي بالتفرد على عرش الهيمنة الدولية، قد تمثل في احتلال باناما وإزاحة الحليف السابق نارويجا عن سدة الحكم. أعقب ذلك تدخلات عسكرية محدودة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا، في هايتي ورواندا. وكان الغزو العراقي للكويت فرصة ذهبية للإدارة الأمريكية، لتؤكد أنها المسيطر، دون منازع على مجرى السياسة الدولية. وقد اعترف لها خصوم الأمس بذلك.
تصور كثير من المتخصصين في العلاقات الدولية، أن عالم ما بعد الحرب الباردة، سيشهد تنافسا اقتصاديا محموما، مصحوبا بحقبة استرخاء دولي، وأن السلاح سيستريح أخيرا في غمده. وكانت هذه التصورات تعبيرا عن جهل الذين تبنوها بالقوانين التي تحكم العلاقات بين الدول. فليست الخلافات في العقائد والرؤى هي ما تصنع الصراعات والحروب، ولكنها المصالح والتنافس الاقتصادي، وصراعات القوة والإرادة. وجميعها تستدعي استمرار تشغيل مصانع السلاح وماكينة الحرب. وكانت الحروب في يوغسلافيا السابقة، وحرب الخليج الثانية، واحتلال أفغانستان والعراق، والتدخلات الأمريكية في كل القارات، وتبعية الحلفاء الأوروبيين لسياسة اليانكي، تعبيرا عن سيادة هذا القانون.
وبالقدر الذي وعى فيه قادة أوروبا الغربية للحقائق التي أفرزتها نتائج الحربين الكونيتين، والتي كانت موضوع مناقشتنا في الحديثين السابقين، بالقدر الذي وعوا وتهيأوا فيه للحقائق التي انبثقت عن انتهاء حقبة الثنائية القطبية. لقد انتهت مرحلة القبول الأوروبي بدور التابع للإدارات الأمريكية المتعاقبة، وبدأ الأوروبيون الإعداد مبكرا لمستلزمات المرحلة الجديدة.
فلم تعد أوروبا بحاجة للمظلة الأمريكية النووية كي تحميها. ومادام قانون المرحلة القادمة هو التنافس على اقتسام ثروات العالم، بين دول تتماثل في أنظمتها وتوجهاتها الاقتصادية والسياسية، فليس من سبيل للتنافس مع القطب الأوحد سوى تكتيل قوة القارة، وتحقيق كارتلات كبرى قادرة على التنافس بفعالية في الأسواق الدولية, وكان معنى ذلك هو الإسراع في تحقيق الوحدة.
في العقدين التاليين لسقوط الحرب الباردة، شغلت أوروبا الغربية ببناء وحدتها. كما شغلت بإدماج الجزء الشرقي من القارة، الذي انضوى لأكثر من أربعة عقود تحت النظام الشيوعي والهيمنة السوفييتية، بالنظام الاقتصادي الرأسمالي وبتجلياته السياسية والاجتماعية. كما جرى العمل بشكل سريع على إلحاق دول أوروبا الشرقية بحلف الناتو، وتجريف العمق الاستراتيجي الروسي.
وأثناء انشغال أوروبا بتحقيق وحدتها، وبناء قدراتها الذاتية على كل الصعدـ كان التنين الصيني يضاعف من قوته الاقتصادية، ويتقدم بثبات بشكل ليس له سابق في التاريخ. وكانت الولايات المتحدة، بعد تربعها على عرش الهيمنة الدولية. تعمل دون كلل على استكمال بناء مشروعها الإمبراطوري، مستثمرة إعصار 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطون، لتجعل منه ذريعة ما عرف بالحرب على الإرهاب.
وكان تبني الولايات المتحدة الأمريكية الحرب على الإرهاب، هو كعب إيخيل في تراجع هيبتها الدولية، واستنزاف قوتها الاقتصادية، بما يهدد بانتهاء حقبة تفردها، والعودة مجددا لعالم متعدد الأقطاب. فما حسبته إدارة المحافظين الجدد الأمريكية، برئاسة جورج بوش الابن فرصة للمشروع الإمبراطوري الأمريكي، الذي بدأ الحديث عنه منذ منتصف السبعينيات من القرن المنصرم.
كان مستشار الرئيس الأمريكي نيكسون ووزير خارجيته فيما بعد، قد تحدث بعد حرب أكتوبر عام 1973 مباشرة لصحيفة النيويورك تايمز عن احتمالات تقسيم البلدان العربية إلى دول صغرى تستند على هويات طائفية ودينية وإثنية. لكن ظروفا دولية حالت دون تنفيذ هذا المشروع. أعيد مجددا بعث مشروع التفتيت إثر انتهاء حرب الخليج الثانية، أثناء مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط على لسان وزير الخارجية الأمريكي، جيمس بيكر، الذي تحدث علنا عن مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي يتحقق بإعادة تشكيل الخارطة السياسية للشرق الأوسط، بشكل دراماتيكي، يفوق ما حدث بعد تنفيذ اتفاقية سايكس بيكو، إثر انتهاء الحرب العالمية الأولى. وقد برز الرئيس الإسرائيلي، شمعون بيريز كأحد أقطاب التنظير لهذا المشروع.
لقد اعتبر المحافظون الجدد احتلال العراق وأفغانستان مدخلا لبناء الشرق الأوسط الجديد، حسب تعبير وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد، الذي اعتبر الفوضى الخلاقة بالمنطقة العربية شرطا لتحقيق هذا المشروع. وأعادت كونداليزا رايس الحديث عن ذلك إثر العدوان الإسرائيلي على لبنان في يوليو عام 2006، حيث أشارت إلى أن ذلك الغزو هو مخاض الولادة لشرق أوسط جديد.
انقلب السحر على الساحر، ولم يتمكن المحافظون من تنفيذ مشروعهم. وواجهت الإدارة الأمريكية أعتى أزمة اقتصادية، تفجرت بعد أزمة الرهن العقاري. ولم يكن لهذه الأزمة نظير منذ أزمة الثلاثينات من القرن المنصرم. وقد تركت بصماتها ثقيلة على الوضع الاقتصادي في العالم بأسره. تجاوز الدين الأمريكي العام أكثر من 15 ترليون دولار. وأصبح ميزان الدخل القومي لا يتجاوز الـ 60% من الإنفاق، بما يعكس ضخامة العجز وعمق الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد. وعجزت الدولة عن دفع رواتب المتقاعدين ولم يعد بإمكان الأمريكيين تقديم أي دعم مالي أو اقتصادي لحلفائهم في العالم.
أسهب الكثير من الأمريكيين في الحديث عن أسباب هذه الأزمة، لكن الشعور العام قد أرجعها إلى كلفة الحروب التي شنتها إدارة الرئيس الأمريكي، جورج بوش في أفغانستان والعراق. وكان البرنامج الانتخابي للرئيس أوباما قد أكد على انسحاب القوات الأمريكية من العراق، ووضع جدول آخر لإنهاء الحرب في أفعانستان، باعتبار ذلك وسيلة لاستعادة عافية الاقتصاد الأمريكي. وكانت تلك مقدمات الوعي بالنسبة لدول أوروبا الغربية، وبشكل خاص فرنسا وبريطانيا وإيطاليا للعودة مجددا للتنافس الدولي، وبعث المشروع الاستعماري التقليدي، استثمارا لموسم ربيع الثورات العربية.