كان المفتاح النحاسي الضخم للخزانة أو الغرفة الخاصة بالشخص في الماضي هو صمام الأمان لما لا يحب أن يطلع عليه الآخرون من أسرار خاصة.. ومع مرور الأيام والتطور التكنولوجي تغير شكل ذلك المفتاح إلى عدة أحرف في النظام الرقمي يحمي بها أسراره ولا يستطيع أحد النفاذ إليها إلا من خلاله, وهو ما اصطلح على تسميته بالإنجليزية "باسوورد".. وأصبح ذلك الكود ـ الذي لم يكن له وجود في حياتنا قبل عدة سنوات ـ شيئا أساسيا في حياتنا فبه نحفظ حساباتنا في البنوك ونسير تعاملاتنا المالية وبه نغلق سياراتنا وجوالاتنا في وجه العابثين وكذلك نحفظ به أجهزة الحاسب الآلي والبريد الإلكتروني من محاولات الدخلاء للعبث بها والاطلاع على أسرارنا. وعلى الرغم من تحول ذلك الكود إلى قمة السرية بالنسبة للإنسان إلا أنه هناك العديد من النساء والفتيات يحرمن من تلك الخصوصية حتى تصبح أكواد أجهزتهم الرقمية مشاعة لكل أفراد الأسرة, كنوع من الحماية لها أو الرقابة المباشرة على تصرفاتها الشخصية.
شك وتساؤل
وتقول المواطنة سارة العسيري (ربة منزل) "الباسوورد" نعمة كبيرة للحفاظ على خصوصية المرأة في الجوال أو الإيميل أو "فيسبوك". ولكن العديد من الأزواج أو الأهل يحظرون على بناتهم وزوجاتهم وأخواتهم استخدام الباسوورد ويعتبرون أن المرأة لا يحق لها أن يكون لها هذه الخصوصية, وأن الزوج هو الذي يجب أن يمتلك هذه المفاتيح لأسرار الزوجة أو الأخت أو الابنة وأنها ملك عام للأسرة وأن وجود باسوورد سري لدى الفتاة مثار للتساؤل والشك.
أسرار غير مشينة
ويقول المعلم مفرح الشقيقي: الباسوورد مفتاح للحفاظ على الأسرار سواء في الجوال أو الإيميل وهو مصدر قلق أولياء الأمور من الآباء والأمهات ولكن الشباب يحرصون على وجوده للحفاظ على الخصوصية والأمور التي لا يحب أن يطلع عليها أحد.
ولاشك أن مستوى الخصوصية ارتفع في ظل وجود التقنيات الحديثة وهذا لا يعني حتمية وجود أسرار لا أخلاقية واعتبر أنه من حق الإنسان أن يحتفظ بسقف عال من الحرية وذلك لا يعني وجود مخالفات, وإنما قد يكون الهدف الحفاظ على الخصوصية من فضول الآخرين وحماية لهذه الأسرار عند ضياع الأجهزة (مع أن هناك طرقا كثيرة لفك الباسوورد) إلا أن الباسوورد مطلب تقني واجتماعي وإنساني للحفاظ على الخصوصية.
ويؤيد الشقيقي أن تتم الرقابة على الأجهزة في سن معينة وأن لا تكون رقابة تشكيكية صارمة وإنما أن يتم ذلك بتربية وتوجيه بشكل تربوي واع يواكب ذلك الانفتاح في التقنية الحديثة وما يترتب عليها من مراقبة الأبناء مع منحهم الثقة.
هروب من الرقابة
وتقول المعلمة مها الصالح: إن العديد من أولياء الأمور والأمهات يتخوفن من وجود باسوورد على جوال الفتيات ويحاولن أن يجبرن بناتهن على إفشاء رقم الباسوورد للإيميل الخاص بهن مما يجعل العديد من الفتيات يقمن بعمل إيميل آخر مختلف أو صفحة "فيس بوك" بأسماء مستعارة هربا من رقابة الأسرة.
وأشارت الصالح إلى أننا أصبحنا في زمن يصعب فيه التعرف على هذه الأسرار وكذلك مراقبة المراهقين, مبينة أن المتابعة الحقيقية يجب أن تكون بالتربية السوية وبمنح الثقة بالنفس والاعتزاز بالشخصية والرضا عن الذات.
لغة عصر
يقول رئيس قسم طب الأسرة والمجتمع بجامعة الملك خالد الدكتور خالد جلبان: التقنيات الحديثة كرست لعوالم الأسرار التي ملأت حياتنا وحياة جيل كامل بدأ ينشأ تحت ظلال السرية والتواري خلفها وكأنها أضحت سمه عصرية، وأكد جلبان أن المبادئ والأخلاقيات لا تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، والتربية داخل الأسرة لها الدور الأكبر في تدعيم أسس هذه المبادئ وسط هذه التقنيات التي دخلت إلى حياتنا في تسارع ودون سابق إنذار, ودون أن نكون قد أبدينا تجاهها أي استعداد أو تأهب وكيف نتصرف إزاءها. لقد نشا جيل جديد بيننا على استخدام التقنية المتسارعة عبر أيقونات وبوابات جديدة تستدعي وقفة واضحة من المجتمع ودور لمسايرة هذا الزخم التقني الذي أصبح من الضروري مسايرته والاستفادة من معطياته بطريقة صحيحة. ولعل جيل الشباب والشابات والمراهقين من أكثر الفئات افتتانا بهذه التطورات والتغييرات الضخمة التي يشهدها المجتمع بسبب التقنية التي تستدعي وجود ورش عمل وبرامج إرشادية توضح آليه التعامل الأمثل مع التقنيات الحديثة.
بصمة وتوقيع للتعاملات الحكومية
ويقول جلبان نتطلع إلى دعم فئة المراهقين وصغار السن عبر تجارب مميزة لصقل أفكارهم وتنمية الجانب الإبداعي لديهم بدلا من وضعهم في حاله ذهول أمام التقنيات الحديثة وقشورها مع أهمية تطوير المناهج الدراسية بإضافة برامج تطوير الإبداع والعصف الذهني وبناء الشخصية وتعزيز الثقة بالذات والقدرة على المواجهة والابتكار والتطوير, وتوطيد علاقات الشراكة بين المخترعين والتقنية. وأكد أن الخصوصية والأسرار حق مكفول لكل إنسان يجب أن يحترمه الآخرون حتى لو تناقض ذلك مع أفكارهم ومخاوفهم فما يطبق على الباسوورد يطبق على الصندوق أو المحفظة أو الخزنة.. ونبه إلى أن الباسوورد أصبح ضرورة للتعامل مع الحكومة الإلكترونية التي أصبحت تعتمد الباسوورد كتوقيع للشخص يجب أن يحافظ على خصوصيته ولا يتركه في أيدي آخرين قد يسيئون استغلاله، وأكد أن الرقابة الأسرية والبحث ومحاوله التقصي وتتبع أسرار الأبناء لن تجدي نفعا وأن الاهتمام لابد وأن يتركز على التربية السليمة.