الاستشراق (Orientalism) في أصل معناه هو توجه فكري يُعنى بدراسة ثقافات الشعوب الشرقية عامة. والبحث في حضاراتها تاريخها ولغاتها وأديانها. وتقديم التصورات كصياغة يمكن من خلالها تقديمها للحضارة الغربية. ومن ضمن ذلك الشرق الذي ركز عليه المستشرقون الغربيون في مؤلفاتهم تقع المنطقة العربية حيث الحضارتان العربية والإسلامية. ولا يُعرف على وجه التحديد متى بدأ المد الاستشراقي الغربي. لكن التاريخ يقول بأن سيطرة واتساع مد الديانتين الإسلامية والمسيحية كانا سببين رئيسيين خلف ظهور الفكر الاستشراقي في المنطقة العربية والإسلامية الذي أخذ في حسبانه وأولوياته التركيز على الحضارة العربية الإسلامية بالذات. ويرجع بعض المؤرخين بداية الاستشراق إلى عصر الدولة الإسلامية في الأندلس، بينما يقول بعضهم بظهوره إبان الدولة الأموية، والأخير في رأيي غير متناسق مع التناول الممكن للبعد التاريخي. فالدولة الإسلامية (كما يقول التاريخ) لم تكن وقتها قد كونت شخصية حضارة إسلامية قوية بشكل كافٍ ومؤثر بالقدر الذي تلا ذلك وأمكن استشعاره أوروبياً. والمرجح أن الاستشراق قد بدأ مع بداية انتشار وتوغل المد الديني والتراثي الثقافي الإسلامي في أوروبا، والذي يتزامن مع التأثير الحقيقي للدولة الإسلامية في الأندلس. وهو ما رآه علماء الدين الغربيون غزواً لأسلوب حضارتهم الثقافي وديانتهم المسيحية. وقد بدأ الفكر الاستشراقي في المنطقة الإسلامية كسلوك ينطلق من مبعث ديني بحت يستهدف تسهيل الحصول على المعلومات الدقيقة عن جوانب الحضارة والثقافة والديانة الإسلامية، ثم توسع كثيراً ليشمل النواحي التجارية والسياسية والاستعمارية فيما بعد. وتأكد ذلك من خلال القرار القاضي بإنشاء كراسي اللغة العربية في الجامعات الأوروبية الذي صدر عن المجمع الكنسي بفيينا عام 1312م. أما كمفهوم فقد اعتمد الاستشراق (Orientalism) في العام 1779م بإنجلترا، وفي العام 1838م تم إدراجه في قاموس الأكاديمية الفرنسية. ومن أشهر المستشرقين الغربيين (زريجريد هونكه) صاحبة كتاب (شمس العرب تسطع على الغرب)، وأستاذ اللغات الشرقية بجامعة أوترشت الهولندية (هادريان ريلاند) الذي ألف كتاب (الديانة المحمدية) 1705م، وهو الكتاب الذي حرمته الكنيسة وحضرته من التداول فيما بعد. وأستغرب أن لا يُذكر الضابط الإنجليزي (توماس إدوارد لورنس) الشهير بــ(لورنس العرب) كمستشرق لعب دوراً سياسياً عظيماً في بدايات القرن العشرين في تفتيت وتقسيم الدولة العثمانية إلى دويلات وإمارات عربية كما هي عليه اليوم، وقال عنه ونستون تشرشل "لن يظهر له مثيل مهما كانت الحاجة ماسة له". لقد استفادت أوروبا بأسرها من العملية الاستشراقية والفكر الاستشراقي، وحققت مكاسبها الكبيرة في المنطقة العربية والإسلامية بكاملها. وأثرت على العقلية الإسلامية قبل العربية في مختلف الجوانب الحياتية. ومن قبل ذلك ما تحقق على صعيد نقل مؤلفات وخبرات الحضارتين العربية والإسلامية للجانب الغربي من الكرة الأرضية لنا. حدث كل ذلك وما زال بعض الأعراب والمسلمين يرفعون راية القطيعة مع الغرب، ويتشدقون بخطر التغريب على حضارتنا العربية التي لم يبق منها الكثير لتفعله أمام الاكتساح العظيم للثقافة والحضارة الغربية لمنطقتنا العربية والإسلامية بل والعالم أجمع. ويبدو أننا سنظل أوفياء لبؤس موقفنا هذا طالما بقينا نتغنى بماضينا العتيد. صحيح أن التغريب غير المفهوم سيكون كارثياً على كل حضارتنا، لكنه في حال كان واعياً لما يريد فإنه بالتأكيد سيعيد تشكيل دورنا في التاريخ الإنساني. فلماذا لا نستغرب كما استشرق الغرب؟ يطرح المفكر العربي محمد عابد الجابري في كتابه (الخطاب العربي المعاصر) منتقداً لمواقف النماذج السلفية والليبرالية والماركسية من التراث بقوله: "نحن العرب جميعا لا نستطيع (…)، أن نفهم ولا أن نعي ولا أن نمارس الأصالة والمعاصرة، لا نستطيع أن نجدد فكرنا ولا أن نشيد حكما للنهضة "مطابقا"، مادمنا محكومين بسلطة النموذج السلف، سواء كان التراث أو الفكر المعاصر أو شيئا منهما. نعم الإنسان بطبيعته يفكر من خلال نموذج، ولكن هناك فرقا بين نموذج يؤخذ كـ"رفيق" للاستئناس به، وبين نموذج يِؤخذ كـ"أصل" يقاس عليه. النموذج فيما يتخذ أصلا سلفا يصبح سلطة مرجعية ضاغطة قاهرة تحتوي الذات احتواءً وتفقدها شخصيتها واستقلالها... وإذن، فما يجب البدء به هو معرفة الذات أولا، هو فك أسرها من قبضة النموذج، حتى تستطيع التعامل مع كل النماذج تعاملا نقديا. وذلك طريق الأصالة والمعاصرة معا". رؤية الجابري هذ تؤسس للبدء في النظر بجلاء لموقفنا من التراث وضرورة تحلينا بنوع معين من المرونة في التعامل معه للتخلص من فكرة هيمنة طرف على الآخر، والتي تتمثل فيما يُسمى بـ(قياس الغائب على الشاهد). الغائب هو (المستقبل) على الشاهد وهو (الماضي) الذي يعتبره الجابري أهم وأول العوائق التي تواجه تطور الفكر العربي والإسلامي. ويشكل هذا الطرح للجابري في رأيي المتواضع نواة لما قد ينتج عنه لاحقاً الطريق والطريقة لفهم ووعي ما يمكننا أن نكون عليه في تحركنا نحو (الاستغراب) المفيد الذي نتلمس فيه بعض ضرورياتنا من خلال وعينا واعتزازنا بما لدينا من تراث ديني وثقافي وحضاري. يُقصي حالة الرهبة من فقدنا لأيديولوجيتنا، ويتناسب مع ثقتنا بعدم التبعية أو الذوبان ربما في الحضارات الإنسانية الأخرى. لنستعيد ما يمكن استعادته من تألق كان لحضارتنا وثراثنا، ولنتخلص وهو الأهم من حاجز الخوف من الآخر الذي كبدنا ولا يزال أكبر الخسائر على كل المستويات الحياتية الإنسانية. وليس شرطاً أن نبدأ بالنوايا السيئة كما فعل بعض المستشرقين. لنعود مؤثرين في شخصية وهوية العالم كما كنا ذات عمر.