ما إن يطرق سمعك لقب "علامة الجزيرة العربية" حتى يقفز إلى ذهنك مباشرة اسم الشيخ حمد الجاسر (رحمه الله)، ذلك الرجل الذي طاف الجزيرة العربية شرقاً وغرباً، جنوباً وشمالاً، يرصد ويبحث ويوثق ويحقق ويؤلف في التاريخ والجغرافيا واللغة والأنساب والتراث، إلى أن رفد المكتبة الثقافية بعشرات المؤلفات والمعاجم، إضافة إلى مجلته الأشهر "العرب" التي صدرت عام 1386 وما زالت تصدر حتى الآن.

ويعتريك الذهول حين تعرف أن وراء هذه التركة الثقافية الواسعة جسد نحيل أنهكه الفقر، ولم يكن ذووه يتمنون أكثر من أن يعيش "حمد الطفل" حياة سوية مثله مثل بقية أقرانه، فكيف وقد أصبح ذلك النحيل خلال سنوات "علامة الجزيرة العربية"!.

هكذا تقول الأوراق التي ضمنها عضو مجلس الشورى سابقاً، رئيس نادي المدينة المنورة الأدبي الدكتور عبدالله عبدالرحيم عسيلان كتابه الجديد (حمد الجاسر وجهوده العلمية) الذي سيصدر خلال أيام، حيث يذهب عسيلان إلى أن "حمد الطفل" عاش فترة صباه في محيط أسرة يحفها الفقر، وتثقل كاهلها أعباء الحياة، وهي تعاني من الظروف الصعبة التي أحاطت براعي الأسرة (والده)، حين فقد كل ما يملك من وسائل الفلاحة بسبب الديون التي أثقلت كاهله.

حمد العلامة في طفولته - كما يذكر في أول حياته – عاش عليلاً وتأخر في المشي ولم يحسنه إلاّ في الرابعة من عمره، وتدهورت حالته الصحية إلى حد جعل أهله يحسون بدنو أجله، وأربع مرات يحفرون له قبراً ثم يريد الله أن تدب فيه الحياة فيدفن غيره في القبر الذي أعد له!.

عسيلان الذي لازم الشيخ حمد الجاسر كظله في مرحلة من مراحل حياته بدأت من عام 1400، وكان يزوره بمنزله ويخرج معه في بعض رحلاته، يقول - نقلا عنه - إن حالته الصحية كانت سبب خير له؛ إذ وجد فيه أبوه عدم القدرة على مشاركته وإخوته في أعمال الفلاحة، فوجهه إلى تلقي العلم، وأرسله لهذا الغرض إلى قرية مجاورة تدعى "حزمية".


رحيل وأثر

وقد زاد من وطأة الهم لدى حمد الطفل في تلك المرحلة ما حدث لصديقه الذي أنس إليه لما يجمع بينهما من تشابه في ضعف الجسم والميل إلى العزلة وهو إبراهيم بن عبدالرحمن بن فليح الذي توفي بسبب أكله من شرائح اللحم المقدد والمخزن، فتأثر حمد كثيراً بما حدث، وأصابه ما أصابه من الهم والحزن، فما كان من أبيه إلاّ أن أعاده معه إلى قريتهم "البرود".


مسيرة التعليم

وكان ممن تولى رعايته في مرحلة صباه قريب له من أخوال أبيه هو عبدالعزيز بن فايز (من آل فايز) حيث أقام حمد عنده وبقي معه إلى أن توفي الرجل، وأثناء هذه الإقامة أفاد حمد شيئاً من العلم وحفظ قدراً من القرآن الكريم، ولم يجد بداً من العودة إلى أبيه الذي كان حينئذ طريح الفراش، وطلب منه قبل أن يودي به المرض إلى الموت في بلدة الفرعة عند ابنته، أن يتوجه إلى جده لأمه علي بن عبدالله بن سالم في قرية "البرود" ليعوله بعد وفاته سنة 1334، ولم يتجاوز حمد وقتها 15 عاماً من عمره، وأخذه جده بالشدة ليسير على ما هو عليه من التقوى والعبادة والصلاح، ووجد فيه جده أداة طيعة للتوجيه.

وكانت والدته تقف إلى جانب والده وتساعده في الفلاحة، ولعل ضنك العيش هو ما دفع عائل الأسرة بعد أن تراكمت عليه الديون إلى أن يرهن البيت الذي يملكه، وهو بيت الراية في سوق الحميدي، وكان يؤوي أسرته، غير أنه خلص بعد ذلك لعلي بن إبراهيم بن فايز وفاء بالدين الذي كان عليه. وبيت الراية هذا هو الذي شهد مولد علامة الجزيرة.

أسرة الشيخ حمد في "البرود" أسرة كبيرة، ولها صلات نسب مع جل سكان البلدة، ومن ينتسب إليها، ومع بعض أمرائها، كما يبدو من خلال كتابته عنها، ويبدو من خلال ما ذكره أن آل جاسر يعودون إلى (جاسر) الذي نزل "المستجدة"، وهو أخ لبسام وحمدان، ولجاسر من الأبناء علي، ولعلي بن جاسر بن علي بن زامل من الأبناء محمد بن علي بن جاسر، الذي ولد له ولد سماه (جاسر) تيمناً باسم جده، ومنهم تفرعت أسرة آل جاسر.

وأول مولود رزق به الشيخ حمد الجاسر ابنته (مي) الأولى ولم تعش سوى شهور، ثم رزق بعدها بكل من مي الثانية، التي ولدت بالطائف سنة 1367، ومحمد، وهند، وسلوى، ومعن، ومنى.





بلدة البرود

تقع بلدة البرود التي ولد بها حمد الجاسر عام 1328 تقريباً، بقرب خط الطول 38/44 وخط العرض 07/25 في منطقة السر في عالية نجد. وسكان هذه البلدة - كما ذكر الشيخ حمد - يرجعون في نسبهم إلى الشبول من الكتمة من بني علي من حرب، وهم من الذين أنشؤوا البلدة، وتشترك في ذلك عدة أسر يجمعها نسب واحد وهم آل بسام، وآل حمدان، وآل جاسر، وآل الشبلي إلى جانب أسر أخرى ترتبط معهم بالنسب والمصاهرة والجوار ومنهم آل مشوخ وآل العظامي وآل ونيان، وقد انتقلوا إليها من موطنهم الأول المدينة المنورة.


الحياة العملية

ورصدت أوراق الدكتور عسيلان عدداً من الأعمال التي زاولها الشيخ حمد الجاسر في مستهل حياته العملية، التي كان يتلقى على بعضها أجوراً زهيدة، موضحاً أنه عمل قاضياً بهجرة (عروا) في إقليم العرض، كما عمل معلماً في قصر الملك عبدالعزيز لما يقرب من عشرين صبياً وشاباً ورجلاً تجاوز الثلاثين، وعمل ناسخاً لبعض الرسائل والنصائح ودعاء ختم القرآن بواسطة إمام مسجد الإمام تركي وأحد كبار طلبة العلم الشيخ عبدالله بن نصبان، وكان يؤم الناس في صلاة التراويح في مسجد القصر، وذلك في الفترة التي أقام فيها بالرياض حين رحل إليها للمرة الثانية في ريعان شبابه ما بين عامي 1345 – 1347.

وقد حملته الظروف أثناء إقامته بمكة للدراسة بالمعهد العلمي السعودي عام 1349 على أن يلتحق ببعض الأعمال المؤقتة حيث عين إماماً يصلي ببعض الجند في قلعة أجيـاد، حـيث كان أحد أخوال أبيه يعمـل قـائداً لمن في تلك القلعة، ثم عمل بهيـئة الأمر بالمعروف والنهـي عن المنكر. ووصلت به حالة الضنك والفاقة وهو في ينبع إلى أن يبيع أنيس وحدته في ذلك الوقت وهو كتاب (معجم البلدان) لياقوت الحموي الذي سبق له أن اشتراه بما يزيد عن ثلاثة أمثال مرتبه الشهري.

ويعد العمل في مجال التعليم من العلامات البارزة في مسيرة حياته العملية حيث استحوذ على أكبر نصيب منها، وقد استمر في هذه المهنة الشريفة والمحببة إلى نفسه - كما قال عسيلان - ابتداء من 1353 إلى 1376 وكان ذلك بشكل رسمي بعد أن تخرج من المعهد السعودي.