كثيرا ما يتم النقاش حول قضايا المطلقات وحقوقهن المالية تجاه الأزواج، وما يُعاني منه بعض الأخوات المطلقات من فقر وعَوَز، ومن عدم وجود مسكن لهن ـ وربما لأولادهن ـ يكفل لهن حياة كريمة.
من المقرر لدى الفقهاء؛ أن المطلقة البائن لا حق لها في النفقة إلا ما اشترطته من مؤخر الصداق. ولكنْ، هناك ما يدعو إلى إعادة النظر في هذه المقدمة عند التأمّل. حيث ظروف الحياة قد اختلفت وتغيرت. وبالتالي؛ يجب أن تتغير الأحكام بتغير الأحوال.
فعندما تتزوج المرأة اليوم، وتُمضي عمرا طويلا مع زوجها، تصرف فيه كل جهدها في خدمته ورعاية أولاده وبيته، وبعض النساء مَن تترك وظيفتها أو دراستها بعد أن كانت موظفةً أو طالبةً لأجله. ثم بعد ذلك؛ يأتي رجل ويطلق زوجته تلك بملء إرادته، ولا تكون لها بعد ذلك أي حقوق مالية غير ما ذُكر.
إن هذه الحالة تستدعي المراجعة، حيث إن الإسلام يحرم الظلم، ويعطي كل ذي حقٍ حقه، فهذه المرأة لم تعد قادرة على العمل وقد تجاوزت سنّ البدء بالعمل غالبا، بخلاف ما كان يحدث في الأمس، فالمرأة آنذاك ـ ببساطة ـ كغيرها من الأخريات تستطيع أن تعمل مثل من لم تنقطع عن العمل، ولا توجد أعمال معقدة، ولا تستوجب خبرة أو تعليماً يُذكر. بينما اليوم؛ كل موقع وظيفي يستوجب نوعا معينا من التعليم والخبرة، وبعضها يستوجب خبرة تراكمية لعدة سنوات أيضا. كل هذه الأمور ربما تكون قد خسرتها تلك المرأة لأجل زوجها! فألا يكون لديها الحق ـ على الأقل ـ في الحصول على نفقة تضمن لها حياة كريمة؟ عوضا عن تفرّغها له لسنوات وتركها للوظيفة أو الدراسة مثلا؟
هذه النفقة قد تكون من المتاع الذي قال تعالى عنه: (ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف حقا على المحسنين) أو قد تُفرض من باب اشتراط ولي أمر المسلمين لهن بذلك على شكل نظام يحفظ حقوقهن، ولا يوجد نصٌّ شرعي يمنع من ذلك والله أعلم. وفي الحقيقة أنه في ظل عدم وجود نظام واضح يحفظ لهن حقوقهن بوضوح فإن الأمر لن تتم معالجته بسهولة.
ثم إنه في تحديد النفقة للزوجة والمرضع والمطلقة سواء كانت رجعية أو بائنا ـ بشروط بالإمكان دراستها ـ أو حتى الأولاد يجب أن يُوضع لها رقم محدد كحدٍ أدنى يُدفع لهم ويكفل حياة كريمة، وبالإمكان تحديده على درجات باختلاف الأماكن أو الأحوال ـ المهم أن توضع أرقام محددة ـ ويراجع بشكل دوري. أما حديث الفقهاء عن أن النفقة تكون بحسب الزوج على قول أو بحسب الزوجة أو غير ذلك من الأقوال، فقد يُقال إن هذا الأمر غير دقيق، حيث لا يُقال لمن يملك ثروة ضخمة بأنه آثم لأجل أنه لم يُسكن زوجته في بيت فاخر، مع أنه قد لا يكلفه شيئا، بينما يُقال لرجل قادر على توفير مسكن مع أحواله المتواضعة ثم لم يُوفّره بأنه آثم ولا شك. كما أن لزوم نوع معيّن من المسكن والملبس زائد عن الحاجة لا يجب في حال الوضع الطبيعي في الزواج فكذا بعد الطلاق، فدلّ ذلك على أن هناك حدّا واجبا على الجميع بالتساوي، وهو توفير الحاجيات الضرورية كالمسكن والمشرب والملبس ونحو ذلك. ولا يُقال باختلاف النفقة باختلاف درجات الناس بشكل مطلق، نظرا لتقارب الناس في الحال هذه الأيام، ولعدم القدرة على وضع ضابط يحفظ حقوق النساء في تقدير النفقة بشكل متيسّر لا يُحتاج فيه إلى محاكمات ومراجعات، هذا بخلاف مشاكل التنفيذ. فضلا عن توفير مساحة كبيرة من وقت أصحاب الفضيلة القضاة الذي هم في أمس الحاجة إليه. فالواجب في نظري أن يُوضع حدّ أدنى كي يُلزم به كل من وجبت عليه النفقة، سواء كانت زوجة أو مطلقة أو أبناءً بما يكفل لهم حياة كريمة، وما زاد عن ذلك فبالإمكان التقدم بطلب للمحكمة للنظر في ذلك.
أما النظر في كل قضية نفقة لوحدها ـ كما هو الوضع حاليا ـ؛ فإن النتيجة القطعية هي الضياع لكثير من الحقوق الواجبة إجماعا لأجل الحفاظ على بعض الأقوال الاجتهادية من الفقهاء، والواجب تقديم الواجبات المجمع عليها على تلك الاجتهادات الظنية، حفظا للحقوق الواجبة.
إن الكثير من النساء وبعض الأبناء القصّر يقعون تحت مطرقة الفقر والعوز، مما يدفعهم ربما لكثير من حالات الانحراف في المجتمع، والبعض يعيش حياة مأساوية حيث لا يخلو أحد من سماع نبأً في هذا النحو، فلِم لا يوضع النظام الحافظ لحقوقهم مع إعادة الدراسة لكثير من الجوانب المرتبطة من خلال معطيات وحاجات الواقع، وليس بالضرورة أن اجتهاد الفقهاء السابقين مناسب لنا مع اختلاف الحالات، وإلا فلا حاجة للاجتهاد إذاً.
إن إيجاد الحلول العملية لمشاكل النساء والأطفال والعاجزين من أهم الواجبات التي يجب أن يسعى المثقفون والعلماء والمسؤولون للبحث عنها، رحمةً بأولئك وحفظا لحقوقهم ونشرا للعدالة والتعاون.