الثقافة بكل عناصرها ومكوناتها تمثل هوية الشعوب، فإن الشعوب غالباً ما تنطلق في تصوراتها من هذه الهوية بمختلف أبعادها القيمية والمعرفية، ولذلك نجد أن التنوع والثراء يخدم الثقافة بإبقائها قوية ومنفتحة ومؤثرة، ومعروف أن الثقافة التي لا تتقبل الثقافات الأخرى-وتتكامل معها في المشترك الإنساني على الأقل- لن تصبح مؤثرة، وبالتالي يغيب عن أفرادها مبدأ التعايش والتفاهم والأمن والسلام.

مؤخراً، أقامت الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة مهرجاناً لطلابها حمل عنوان "مهرجان الثقافات والشعوب"، استفادت خلاله من كونها جامعة ذات وجهة عالمية يصفها أبناؤها بأنها "الجامعة التي لا تغيب عنها الشمس"، فعدد الطلاب غيرالسعوديين في الجامعة يتكون من 168 جنسية من مختلف القارات، وخلال هذا المهرجان أتيحت الفرصة للطلاب للتعبيرعن ثقافاتهم المختلفة وانتماءاتهم لأوطانهم من خلال تداخُل العديد من اللغات واللهجات والتقاليد، وإبرازمظاهر الثقافة في المأكل والملبس والأهازيج الشعبية، وبذلك لم يحضرالطلاب المشاركون بأنفسهم فقط، بل أحضروا ثقافاتهم المتوارثة وعرضوها في هذه الاحتفالية للتعريف بها، مفعَمين بحسهم الثقافي، ومفتخرين بانتمائهم لأوطانهم من جهة، وانتمائهم لهذه الجامعة العريقة من جهة أخرى. هذه الخطوة كانت فكرة رائعة تدعم ترسيخ التوجه الوطني للإثراء الثقافي الذي تنتهجه الجامعة، حيث حظي هذا المهرجان بدعم وتشجيع من قبل معالي مدير الجامعة الأستاذ الدكتور محمد العقلا الذي حضر فعالياته واستمع لحديث الطلاب المشاركين عن دولهم وقصائدهم وأهازيجهم كجزء من الموروث الشعبي لديهم، واستجاب لطلب بعضهم بارتداء الزي التقليدي، ولا بد لهذا الدعم من أثر في إرساء أسس التعاون والشراكة والتعددية بين طلبة الجامعة، خاصة أن الجامعة لديها برنامج ثقافي، تقدم فيه العديد من المحاضرات والأنشطة إلى جانب المؤتمرات والمشاركات الداخلية والخارجية. وجاءت فكرة الجامعة في هذا المهرجان كاستثمار لتعدد الثقافات من خلال تعدد جنسيات طلابها، مما يقع ضمن الأنشطة الطلابية ويصب في نشر مفهوم التقبل والتعددية ويعمق في الوقت نفسه الانتماء الجامعي للطالب في جامعته، ويقوي الارتباط، حتى بعد فك الارتباط، أي بعد تخرج الطالب في الجامعة.

وبما أن المملكة العربية السعودية قبلة دينية واقتصادية، يفترض بها أن تكون أيضاً ملتقى للثقافات والشعوب، فالملايين الذين يقطنون بلادنا من كافة أنحاء الأرض يمكن لنا أن نستفيد منهم ونفيدهم ثقافياً، بالتركيز على التعبير عن طريق الاحتفالات، فقد كان كثيرمن الجاليات في المملكة يعبّرون عن تواجدهم الثقافي خلال الأعياد والمناسبات، إلا أن هذه الظاهرة الجميلة بدأت بالتلاشي في كثيرمن المدن، لوجود عزوف اجتماعي عن ذلك، على الرغم من أن الجاليات العاملة أوالمستقرة في المملكة يجب أن تعبرعن ذاتها الثقافية لكي تتعرف الأجيال الشابة على تنوع الثقافات وتقاليد الشعوب، وبالتالي يكون الأمر تأسيساً لتقبل الآخر المختلف وتقويضاً للعنصريات في الوقت ذاته.

وهنا يمكن أن تعمم فكرة مهرجانات الثقافات هذه-وتطورأيضاً- لدى الجامعات السعودية الأخرى التي تتميز بوجود العديد من الطلبة، كجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية مثلا، خاصة أن الجامعات العالمية غالباً ما تتيح فرصاً كثيرة لوجود أرض خصبة لعملية (التثاقف) من خلال المهرجانات والاحتفالات ذات الطابع التعددي، مما يمنح الفرصة للمشاركين أن يمثلوا ثقافاتهم وأوطانهم بحرية، ويمنح الفرصة للمتلقين أن يتعرفوا ويتأملوا الاختلاف والتباين والتعدد في ثقافات الشعوب، مما ينعكس إيجاباً على المجتمع في تقبل الآخر ونبذ العنصرية والتطرف الاجتماعي، ويسهم أيضاً في لفت النظر إلى جانب مهم وهو التركيز على المشترك الإنساني في الثقافات، ولا سيما أن وجود الاختلاف شيء لا بد منه لأنه أمر واقع، وبالتالي من المناسب الاستفادة من هذا الاختلاف على أرض الواقع.

إن إبراز ثقافات الشعوب الأخرى لا يعني تهميش الثقافة المحلية، بل يعني أن تقبلها لوجود الثقافات الأخرى هو إيمان بقيمة الاختلاف والتبادل الإنساني المعرفي مهما كان البون الثقافي والاجتماعي شاسعاً، وبالتالي يحد من النمطية وسيادة الفكر والرأي الأوحد، ويدعم روح التعاون والتنشئة الاجتماعية على تقبل الآخرين وحقهم في التواجد على مساحة واحدة يفترض أن يتساوى فيها البشر يسودها احترام الاختلاف مهما كانت درجته. وعلى الصعيد المعرفي يمكن للاختلاف أن يثري المعرفة ولا يبقيها عند حدود وتصورات معينة تبقى بفعل الجمود كمسلمات لا يمكن زحزحتها، وهنا تنتقل الثقافات من فكرة الصراع والمواجهة إلى فكرة أسمى وأكمل هي التكامل والتعدد والمشاركة، مما يسهم في خلق فرص جديدة أمام الشعوب للتعايش انطلاقاً من الاقتناع بالأحقية في الاختلاف الذي هو في حقيقته مصدر قوة لا مصدر ضعف.