مشكلة اللغة العربية اليوم هي مشكلة الفكر العربي؛ كلاهما تم الاعتماد فيهما على مدرسة النقل التي كانت ذات سطوة؛ لا مدرسة العقل المحاربة دائما؛ وحين توقف النقل؛ توقف كل من الفكر الذي ينهض بالحضارة الإنسانية واللغة وسيلة نقلها عن النمو والتطور؛ فتسبب ذلك في تخلفهما معا في مجتمعاتنا العربية إلى اليوم، فعلماء اللغة القدماء؛ تعصبوا كثيرا في نقل اللغة لدراسة نحوها وقواعدها وصرفها لأزمنة بعينها حدها كان لما قبل العصر العباسي؛ ورفضوا شعره ونثره مع العلم أنه العصر الذهبي لازدهار الفكر العربي والفقه الديني والأدب والعلوم والفلسفة؛ هكذا أوقفوا مجاراة اللغة للحضارة ورفضوا دراستها نحوا وصرفا في ظلّ هذا الازدهار؛ بحجج الخوف من لحن وخطأ ألسنة العرب حين نمت وابتعدت قليلا عن قواعد سيبويه نتيجة امتزاجهم بالعجم بعد اتساع الدولة الإسلامية؛ مع العلم أن سيبويه نفسه أعجمي؛ واكتفوا بدراسة وتدارس ما نقلوه من لغة العصر الجاهلي والإسلامي وقليل من الأموي؛ شعرا ونثرا بجانب القرآن الكريم والحديث؛ وباتوا يعيدون ويزيدون ويلتون؛ فلم يخرجوا بجديد عمّا أخرجه سيبويه؛ وبدلا من أن تكون اللغة سببا لتقعيد القواعد بما يتناسب مع نموها وتطورها مع الزمن على اعتبارها كائنا حيا؛ جمّدت قواعد سيبويه اللغة العربية وأوقفت نموها عند أزمنة لم تتجاوز القرن الثاني الهجري، وتجمد بعده العقل والفكر العربي إذ لم يجد لغة تستطيع حمل تطوره الاجتماعي؛ وهكذا تجاهل علماء اللغة 1200 سنة من حياة اللغة؛ وحتى اليوم الأكاديميون والباحثون اللغويون لم يخرجوا عن تعصب القدماء؛ ولم يحاولوا المغامرة بحسب علمي لتطوير القواعد بدراسة قواعد اللهجات العربية التي عاملوها وكأنها "بنات خطيئة"؛ على اعتبار قدسية قواعد سيبويه بسبب ربطهم لها أنها وُضعت خدمة للقرآن؛ مع العلم أن بعضا كثيرا من قواعد سيبويه ما تزال عاجزة تماما أمام تفسير ظواهر نحوية قرآنية؛ ناهيك عن أن سيبويه وضعها بهدف آخر وهو خدمة أبناء جنسه من الأعاجم حديثي عهد بالإسلام آن ذاك، بحيث يسهل تعلم العربية وبالتالي قراءة القرآن الكريم؛ وقد تأكد لي هذا أكثر بعد مطالعتي لكتابين مهمين أعارنيهما الصديق الشاعر ياسر حجازي؛ حين وجدني مهتمة بعلاقة اللغة بالتفكير الإنساني؛ وهما "جناية سيبويه " لزكريا أوزون، والثاني" لتحيا اللغة العربية .. يسقط سيبويه" لشريف الشوباشي؛ وأجدني متفقة في كثير مما تناولاه في كتابيهما القديمين.

وببساطة، تعتبر اللغة وثيقة الارتباط بالتفكير الإنساني؛ فهي وسيلة تعبير بما تحمله من إشارات منطوقة تسجلها الكتابة كوثائق تاريخية ومعرفية لهذا الإنسان؛ وتُمكنه من ترجمة أفكاره ومعلوماته من محيطه العقلي إلى الواقعي؛ وهذا الارتباط الوثيق بين اللغة والفكر يمثل ثنائية متلازمة؛ فينموان ويتطوران ويموتان معا؛ بمعنى أقرب؛ كلما تطور الإنسان فكريا ونما معرفيا فهو يحتاج إلى تطور اللغة ومرونتها، لتستوعب مجموعة أكبر من أفكاره ومعارفه المكتسبة مع الزمن؛ ما يعني أن توقف اللغة عن النمو وجمودها سيؤدي لفشل الإنسان في التعبير عن طموحاته الفكرية وتطوره الاجتماعي والمعرفي؛ وستبقى أفكاره سجينة العقل؛ وهو ما يحصل الآن مع اللغة العربية التي جمدتها قواعد سيبويه فتجمد معها التفكير العربي؛ فكلاهما متخلفان ويعيشان بونا شاسعا بين فكر ولغة الحضارة الإنسانية التي يعيشها إنسان العالم الأول وإنسان العالم العربي، والذي ما زال لا يدرك قيمته كإنسان.