"لا يمكنك أن تدخل الشارع دون الحصول على تأشيرة ود، حتى يسمح لك بالمرور والتجول في شارع الهنود"، عبارة يتهكم بها أحد ساكني الشارع وهو سالم باوافي، أثناء جولة "الوطن" بين أزقة الشارع الواقع في البغدادية الشرقية.
فمساحة الحي الواقعة بالتوازي مع أهم شارع رئيسي "طريق المدينة" الطالع يصل جنوب جدة بغربها، وبالتوازي مع مركز رجال الاعمال الشهير الذي يضم علامات شركات ومؤسسات محلية مرموقة، طبيعة الشارع الذي يحمل خليطاً مع الهنود من شبه القارة الهندية بنغلاديش،نيبال، باكستان،إلا أن أغلبهم من قاطني مدينة كيرالا الهندية، حيث تشكل هذه الفيسفساء الهندية،في جدة، خليطاً من تنوع الثقافات،أثناء مرورك تشاهد لوحات المحلات التجارية بشتى أنواعها،وقد خطت بلغة "الأردو" وهي أكثر اللغات مستخدمة في هذا الشارع.
مساحة الحي الصغيرة تحكي تكدساً كبيراً في مفهوم "ثقاقة العمال ذوي الدخل المحدود"، فالأطعمه، والخدمات المقدمة لهم في تلك المنطقة، تقوم على حساب العمال الهنود البسطاء، فالخدمات الصحية والطبية مثلاً منتشرة في ذلك الشارع بأكثر من مستوصف محلي، يقوم عليه أطباء هنود، وبأسعار رمزية بسيطة جداً تناسب دخل العمال، فزيارة طبيب الاستشاري التي ربما تكلفك في أحسن الأحوال في المستشفيات الكبرى قرابة 300 ريال، تجدها في تلك المستوصفات التي يقوم عليها كادر هندي طبي قرابة 20 ريال لا أكثر، وأغلب مرتاديها من الجالية الهندية.وأسعار بقية الخدمات الطبية تدور في هذه الأسعار الزهيدة.
أستاذ علم الاجتماع الدكتور أبوبكر باقادر يتحدث إلى "الوطن" حول ظاهرة مثل هذه الشوارع "التي يضعها" ضمن محاولات صناعة الجاليات المقيمة في غير بلدها إلى "زرع ثقافتهم وعاداتهم عبر التمركز في منقطة محددة تتوائم مع طبيعة ثقافاتهم، حتى لا يشعروا بالاغتراب أو البعد عن أوطانهم" وقال باقادر "أن ذلك يساعدهم على الاندماج في مجتمعهم".
يوم الجمعة هو "اليوم المشهود" الذي يشهد توافداً كبيراً من الزوار أغلبهم "من العمال" و"الأسر" الذين يأتون إلى هذا الشارع لقضاء حوائجهم من الأطعمة، والملابس الهندية خاصة النسائية "الساري"، قضت "الوطن" يوماً كاملاً في هذا الشارع بدءً بصلاة الجمعة في مسجد السليمان، الذي لا تستطيع أن تفرق فيه بأنك عربي إلا من خلال خطيب الجمعة، بين جموع غفيرة من الهنود.
أحد سكان الحي قال بعد خروجنا للصلاة نتمنى على وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد أن تأتي بخطيب معتمد لديهم يجيد اللغات الهندية المختلفة حتى يخطب في المصلين "نظراً لكثرة الهنود وحتى تعم الفائدة، فأغلبهم لا يعوون ماذا يريد هذا الخطيب؟".
خدمات الشارع الهندي تتنوع في الخدمات الغذائية خاصة في ما تقدمه المطاعم الهندية من مأكولات شعبية مثل "دجاج قارلك"و" البرياني اللحم والدجاج"و" دجاج مسلا" و"وقرم" والعديد من الأطعمة وبأسعار زهيدة عن المطاعم الهندية الكبرى المنتشرة في بعض نواحي جدة.
"العمال" وقضاء إجازتهم الأسبوعية
يجد العامل البسيط مطلبه في هذا الشارع من الألبسة التي تتناسب مع محدودية دخله المادي، مثلاً العامل الهندي عمر بيلا حسين الذي يعمل "قهوجي"بإحدى الشركات في مجال الإعلانات، يقضي إجازته الأسبوعية "الجمعة" في هذا الشارع مع زملائه أجواء التحدث عن مستقبلهم بعودتهم إلى بلادهم، ويناقشون في مشاكل بلدانهم السياسية عبر قراءة الصحف التي تتحدث بلغتهم، ومشاكلهم العمالية والعديد من الأمور الأخرى، كل ذلك "بعيداً عن متاعب مهنته التي تستمر لأكثر من عشر ساعات يومية". العامل بيلا يأتي إلى كل أسبوع إضافة إلى ذلك لشراء الخضار من الحلقة المتواجدة في الشارع بأرخص من الأسواق الأخرى.
أما العامل الهندي عباس كويا فيقضي يومي الخميس والجمعة في هذا الشارع من كل أسبوع عند أقرانه فيقول تتواجد في الشارع "مكاتب خاصة بالحوالات المالية، وبمبلغ زهيد يصل خلال ساعات معدودة وبعمولة أقل من شركات الحوالة العالمية".أضف ذلك " خدمة الجمعيات المالية التي يتشارك فيها عدد كبير من العمال تبدأ بعشرة ريالات إلى مائة ريال".
حمى "الرخيص" تدفع السعوديين للشارع
حمى رخص الاسعار في شارع الهنود دفعت العديد من السعوديين، إلى قضاء مستلزماتهم واحتياجاتهم من "شارع الهنود" فتجد إقبالهم على المستوصفات الطبية، وشراء الأغذية التموينية، احدهم وهو جبر السلمي قال "رخص الخدمات في هذا الشارع دفعتنا لقضاء حوائجنا منه"، مضيفاً " ستجد جميع الخدمات بأقل من نصف الأسعار في الخارج".