لم يعد الشباب معزولاًُ عن هموم وطنه، بكل تشعباتها وتفاصيلها، ولم يعد غافلا عن كيفية إدارة ثروة البلاد وتتبع مصادرها ومناقشة أساليب إنفاقها.. فهم يتابعون مشاريع التنمية وخارطة توزيعها ويقيسون سرعة إنجازها ويختبرون مدى جودتها ويعرفون تفاصيل تكلفتها ويتبادلون المعلومات عن المستفيدين والخاسرين.. وهذا معناه أن الشباب لم يعد خارج "دائرة التأثير" وعلى الذين يخططون لمستقبل الوطن ويستهدفون استثمار "ثروته الحقيقية" أن يدركوا أن الشباب موجود بفاعلية وحضور وتأثير كبير.

الذين يظنون أن الشباب خارج "الدائرة المؤثرة" لأنهم لاهون وغير جادين عليهم أن يعيدوا حساباتهم فليس كل الشباب منصرفاً إلى اللهو وتتبع خطوط الموضة وصرف الوقت في الاستماع إلى الأغاني واستعراض السيارات الفارهة واقتناء الأجهزة الحديثة وتتبع أخبار منتجعات السياحة وأوكار المتعة.. هذا تصور ثبت بطلانه و كشفت زيفه الأحداث الجارية في المنطقة.. فالشباب اليوم يتابعون ما يجري من حولهم بل يصنعون الأحداث ويقودونها بفاعلية جعلت الآخرين تابعين لهم، يمشون في حمايتهم ويستظلون بأسمائهم.. أصبح لهم رأي وفعل على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي ولهم أسلوبهم في التعبير عن قناعاتهم ومنهجهم في نقد ما لا يتفق مع وجهات نظرهم ولهم وسائل اتصالاتهم التي لا تخضع لقانون غير قانون الرغبة في معرفة الحقيقة وتبادل المعلومة واتساع دائرة التواصل. ومن أراد ان يقترب من "مزاج" الشباب اليوم ويتعرف على همومهم وطرائق تفكيرهم ورغبتهم في أن يكونوا عناصر فعل إيجابي قادر على تحريك طاقات المجتمع وتوجيهها نحو صالح الوطن، فعليه أن يخلع عن عينيه غشاوة الوهم القديم المضلل بأن الرقابة وحجب الحقائق هي "القوة الخفية" التي تمكن من السيطرة على سلوك وأفكار وحيوية الشباب. هذا الوهم الخادع يفقد أصحابه الاقتراب من عالم الشباب، بكل حيويتهم وتدفق مشاعرهم واتقاد عقولهم وتطور مهاراتهم في معالجة التكنولوجيا التي تكسر كل القيود وتتجاوز مفاهيم ذلك الرقيب المتحجر الذي ساهم، بتخلفه، في تباعد ثقافة الأجيال وانفصام جسر التعلم بينها حتى أوشك المجتمع أن ينقسم إلى قطاعين : قطاع يتطلع إلى المستقبل ويسعى لاكتساب معارفه والمشاركة في علومه والتفاعل مع متغيراته دون أن يفقد إحساسه بذاته وسماته. وقطاع أثقله الجمود وأربك خطواته الخوف من الجديد وغامت رؤيته بسبب بعده عن حقيقة ما يجري من حوله فأصبح "كتلة ثقيلة تشكل عبئا على خطوات التقدم وتقلل من سرعتها وقد تحرفها عن وجهتها.

الشباب رأيناهم يقودون حملة التبرع والتطوع لإنقاذ ضحايا كوارث جدة.. لم يقفوا ينتظرون توجيه أحد أو موافقة أحد، كانوا يسخرون من الأفكار القديمة التي تستخدم الذرائع للحيلولة دون تقدمهم، صموا آذانهم عن كل قول أو رأي يثنيهم عن مبادرتهم لخدمة مجتمعهم في لحظة صادمة.. وخلال خطواتهم وتجمهاتهم لإنقاذ الضحايا برز منهم – دون سابق تخطيط – قادتهم وأصحاب المشورة فيهم ومن لديه القدرة والحماس والأسلوب و "الكاريزما" التي تدفعه إلى الأمام وتجعل الكثيرين يلتفون من حوله.

هذه الحقائق تجعل الشباب في مركز الحدث، وأي تجاهل لتأثيرهم هو تجاهل للواقع المحسوس المؤثر في كل مناحي الحياة.. الأمر الذي يجعل من الأهمية بمكان أن تتجه الدولة – من خلال مؤسساتها ومسؤوليها والمجتمع بكل هيئاته وطاقاته – إلى الشباب ليكونوا محور الاهتمام ولإشراكهم في الخطط والبرامج الوطنية على مستوى الرأي والتنفيذ.. فلم يعد مقبولاً ولا رشيداً أن تتجاهل أو تتغافل مؤسسات المجتمع عن مشاركة الشباب وتكتفي بأن "تفصل" لهم ما تشاء من برامج وتحدد ما ترى من نشاط وتفرض عليهم ما تريد وعليهم الانصياع لإرادتها!.. هذا كلام تجاوزه الزمن والذين يتمسكون أو يعيشون هذا "الوهم" أخشى أن أقول إنهم خارج الزمن، بل يشكلون خطرا على سلامة الأوطان واستقرارالمجتمعات وأمنها.

لم تعد خافية ضرورة أن تبادر الجهات المسؤولة عن قيادة المجتمع إلى إيجاد الصيغ المناسبة لإشراك الشباب في الحياة العامة وإعطائهم فرصة التعبير عن أنفسهم بما يحقق الاستفادة من طاقاتهم وإبداعاتهم.. من الظلم للشباب وما يمثلونه من قيم وطاقات وأفكار أن نحصرهم في النماذج "الهامشية" التي تطاردهم الهيئة في الأسواق والأماكن العامة ونفرض عليهم ماذا يلبسون وماذا يسمعون.. لنخرج من هذه الحلقة المفرغة إذا أردنا أن نتفاعل مع العصر ونستثمر طاقات أبنائنا وبناتنا و نقترب منهم ونعرف مساحة حضورهم وقوة تأثيرهم وقدرتهم على تحريك البيئات الساكنة وتعديل مجرى الأحداث وقيادتها.. هذه القدرات يحسن بالعقلاء أن يقتربوا منها ويتحسسوا مطالبها حتى لا "تنفصم" عرى العلاقة معها وحينها سيصبح الجهد مضاعفاً للحاق بها وتصبح تكاليف إعادة اللحمة وإزالة الاتصال كبيرة.

المنطقة من حولنا تدخل "مزاجاً" جديداً وحيوية صاعدة والشباب هم وقودها وطاقتها وقادتها.. وإذا لم نحسن التعامل مع هذا الواقع بكل جديده وحيويته واندفاعه فقد تكون التكاليف باهظة والخسارة كبيرة.. فهل ندرك هذه الحقائق ونفكر جدياً في إيجاد قنوات تواصل مع الشباب لمعرفة ماذا يريدون؟.. ما هي وسائل التربية ومناهج التعليم التي تلبي احتياجات هذا الجيل؟.. وما هي وسائل الإعلام القادرة على التواصل معهم؟.. وما هو محتواها الملبي لاحتياجاتهم؟.. وكيف يريدون تفاعل المجتمع مع مطالبهم؟.. وكيف تفهم الأجهزة الخدمية وهيئات ضبط السلوك العام احتياجات الشباب وتتفاعل معها حتى لا تفقد "بوصلة" المسار الصحيح؟.

قضية الشباب تستحق – في نظري- أن تكون موضوعاً للقاء كبير يناقش الشباب من خلاله رؤاهم وأفكارهم وأحلامهم وكيف لها أن تتحقق؟.. و ما هي نظرتهم إلى ما يجري؟.. فهل تتبنى إمارة مكة – في خطواتها الريادية – فكرة إقامة ملتقى للشباب يدرس قضايا الوطن وهموم الشباب وكيف يمكن استثمار طاقاتهم والبحث عن نقاط الالتقاء مع جيل الآباء؟.

آمل أن أرى هذه الخطوة قريباً حتى نزيل من فكر الشباب ومشاعره فكرة تجاهلهم.