رغم عودة المفاوضات غير المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى واجهة الساحة السياسية في الشرق الأوسط، إلا أن كثيراً من المراقبين يعتقدون أنها قد لا تؤدي إلى اختراق دبلوماسي حقيقي. حول هذا الموضوع، يقول أستاذ العلوم السياسية البروفيسور ناثان براون في تقرير نشرته مؤسسة "كارنيجي" للسلام الدولي في مايو الحالي إن الإدارة الأمريكية مقتنعة بأنه يجب أن تكون هناك مفاوضات مباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في مرحلة قريبة، لكنها ستستغل فترة المفاوضات غير المباشرة للتفكير في كيفية الوصول إليها. وفي رأي براون فإن الرأيين العامين الفلسطيني والإسرائيلي على حد سواء فقدا الأمل تقريبا في أن تؤدي عملية السلام إلى أي نتائج ملموسة.

ويضيف براون أن الإدارة الأمريكية الحالية تختلف عن سابقاتها في التعامل مع عملية السلام. فإدارتا بوش وكلينتون مثلا لم تصلا إلى البيت البيض على أساس الوعد بتحقيق سلام في الشرق الأوسط، لذلك فإن كلينتون وبوش لم يمارسا ضغوطاً لتحقيق اختراق سياسي في هذه القضية، لكن تدخلهما كان يأتي نتيجة لاختراق حققه الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي. أما إدارة أوباما فقد تدخلت في وقت لم تكن هناك أي عملية دبلوماسية قائمة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، ووضعت العودة إلى عملية السلام ضمن سلم أولوياتها. ولكن إذا كانت العودة إلى المفاوضات غير المباشرة غير مكلفة للقيادة الإسرائيلية، فإن الوضع لن يكون مريحاً بالنسبة للقيادة الفلسطينية لأن الشعب الفلسطيني يعتقد أنه يتعاون مع المفاوضات منذ عقدين من الزمن دون أن تسفر عن شيء ملموس. لذلك فإن القيادة الفلسطينية قد تجد نفسها في موقف يتناقض مع توجهات الشارع الفلسطيني، لكن اعتمادها الكبير على الولايات المتحدة، والغرب بشكل عام، مادياً وسياسياً ودبلوماسياً يجعلها مضطرة للتعاون في هذا المجال. وحيث إن الجميع يعرفون القضايا الأساسية المختلف عليها فإن مهمة المفاوضات غير المباشرة هي وضع خطة عمل للتحرك إلى الأمام في هذه القضايا، وعندما يتم وضع خطة العمل يمكن للولايات المتحدة أن تضغط باتجاه الانتقال إلى المفاوضات المباشرة لبحث كيفية تطبيق هذه الخطة والوصول إلى تسوية نهائية للنزاع.

لكن بداية المفاوضات غير المباشرة لا تُعتبر نجاحاً للإدارة الأمريكية، لأنها في الواقع تُعتبر خطوة إلى الوراء في وقت تتباعد فيه مواقف الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي أكثر من أي وقت مضى. ومع أن فكرة قيام الولايات المتحدة بوضع معالم التسوية العادلة في الشرق الأوسط فكرة جيدة، إلا أنها قد لا تؤدي إلى نتائج جيدة في هذه المرحلة. فالحكومة الإسرائيلية الحالية قد لا تقبل على الأرجح المبادئ التي ستضعها الولايات المتحدة للتسوية العادلة، وهذا سيخلق مشكلة بين الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية. وفي الوقت نفسه فإن الفلسطينيين مهتمون بتدخل الولايات المتحدة لأنهم الطرف الأضعف ولا يريدون مواجهة الإسرائيليين وحدهم. لكن أفكار الولايات المتحدة قد تخيب آمال الفلسطينيين في قضايا أساسية مثل حق عودة اللاجئين، لذلك فإن الرؤية الأمريكية للتسوية المستقبلية قد لا تلقى ترحيباً كبيراً من الفلسطينيين أيضاً. المشكلة إذاً هي: كيف يمكن للولايات المتحدة أن تطبق خطة يرفضها، أو يتحفظ على بعض بنودها، أطراف الصراع؟

من ناحية أخرى يقول براون إن الاقتصاد الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة يعتمد على قدرة التواصل مع العالم الخارجي، وهو أمر تسيطر عليه إسرائيل بشكل تام. لذلك كلما تحسنت ظروف الوصول إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة وقلَّ عدد الحواجز الإسرائيلية، تحسَّنت حالة الاقتصاد الفلسطيني. وبسبب تحسُّن الوضع الأمني في الضفة الغربية والضغوط الأمريكية على الحكومة الإسرائيلية، اضطرت إسرائيل لتخفيف قبضتها على الضفة الغربية، وأدى هذا إلى بعض التحسُّن في الوضع الاقتصادي هناك. لكن هذا لا يمكن تسميته تطوراً، لأن الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية الآن عاد في الواقع إلى ما كان عليه تقريباً قبل الانتفاضة. أما غزة فوضعها مختلف لأن اقتصادها مقطوع تماماً عن إسرائيل. هناك بعض المساعدات الإنسانية التي تدخل القطاع، لكنها غير كافية مطلقاً. أبناء غزة يجدون صعوبة كبيرة في تصدير منتجاتهم واستيراد ما يحتاجون إليه ولذلك يلجؤون إلى الأنفاق. حركة حماس لا تمانع باستمرار هذا الوضع طالما أنها لا تزال قادرة على إطعام الناس والحفاظ على حكومتها، بل إنها في الواقع تفضل فك ارتباط الاقتصاد في غزة عن الاقتصاد الإسرائيلي وربطه أكثر مع الاقتصاد المصري، وهذا معناه دفع ثمن اقتصادي باهظ على المدى القريب.

ومع أن قضية التعامل مع غزة وحركة حماس أساسية للمسيرة السلمية، فإن الإدارة الأمريكية تفضل على ما يبدو تأجيل ذلك إلى ما بعد تحقيق تقدم في المسيرة الدبلوماسية الحالية مع السُلطة الفلسطينية. لكن المشكلة هي أنه ليس من الواضح فيما إذا كان التعامل مع غزة مستقبلا أسهل من الوقت الحاضر. إن التأجيل يحمل معه نتائج كارثية على الوضع الإنساني في غزة، ومع ذلك فإن نتائجه غير مضمونة وغير واضحة أساساً. يعرف جميع الفلسطينيين أنه ستكون هناك وحدة فلسطينية في مرحلة ما، رغم كل ما يبدو عليه الواقع الحالي من انقسام سياسي وجغرافي واقتصادي، لكن المشكلة حالياً هي أن قيادات حماس وفتح لا تبدي استعداداً لتقديم أي تضحيات لوضع حد لهذا الانقسام.

لكن ما يمكن أن يحدث تغييراً حقيقياً هو النجاح في إجراء عملية تبادل الأسرى بين حماس وإسرائيل. حماس لا تزال تحتفظ بالجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، والإسرائيليون لديهم آلاف السجناء من حركة حماس. إذا حدث هذا التبادل قد تتغير أمور كثيرة. وقد يتزامن هذا الأمر على الأغلب مع تخفيف القيود على غزة وإطلاق سراح أعضاء البرلمان الفلسطيني من حماس المسجونين في إسرائيل منذ سنوات. وقد يؤدي مثل هذا الاتفاق أيضاً إلى إطلاق سراح مروان البرغوثي ويعيد خلط الأوراق على الساحة السياسية الفلسطينية بشكل كامل.

وحول تطور العملية الديموقراطية في الأراضي المحتلة يقول براون إن أول انتخابات رئاسية وتشريعية فلسطينية جرت في عام 1996، وكان يفترض بها أن تكون مؤقتة لكنها استمرت لسنوات طويلة حتى عام 2005 عندما صدر قانون انتخابي جديد تم على أساسه انتخاب محمود عباس رئيساً خلفاً لياسر عرفات، لكن فترة عباس الرئاسية انتهت منذ فترة. وفي 2006، حققت حركة حماس انتصاراً كبيراً في الانتخابات التشريعية. المشكلة الآن أن حماس وفتح غير متفقتين على أسس مشتركة لإجراء انتخابات جديدة.

ومن جانب آخر، يقول براون إن الإسرائيليين قلقون من الوضع الذي وصلت إليه العلاقات الإسرائيلية-الأمريكية لأن الجميع في إسرائيل يعرفون أن العلاقة الخاصة والقوية مع الولايات المتحدة أساسية لأمن إسرائيل على المدى البعيد. ربما تكون إسرائيل قلقة من صعود إيران حالياً أكثر من قلقها من الوضع مع الفلسطينيين، والولايات المتحدة تلعب دوراً محورياً في هذه القضية أيضاً. لذلك تحاول حكومة نتنياهو، ظاهرياً على الأقل، أن تتعامل بحذر ولطف مع إدارة أوباما. لكن هناك قلقاً إسرائيلياً حقيقياً من سياسات الإدارة الأمريكية الحالية، ويبدو أن إدارة أوباما لا تحاول التعامل مع هذا القلق بشكل جدي.