سنت جامعاتنا سنةً تقضي بمنع أعضاء هيئة التدريس فيها من نشر أي أبحاث لها علاقة برسالة الدكتوراه لغرض الترقية، وتحضرني أمانةً ثلاثة أسئلة أرجو من المجالس العلمية في جامعاتنا الموقرة الإجابة عليها، ولهم شكري وامتناني.



السؤال الأول:

مع الاتساع المعرفي وسهولة الوصول للمعلومات صار التخصص الدقيق امتيازا لمن يملكه ويحسن فعلا استخدام أدواته، فلماذا نجبر الباحث على الخوض في نطاق بعيد عن اهتماماته الحالية التي اطلع جيداً على القراءات الحديثة فيها، ونخسر بذلك عدة أبحاث عميقة تضاف لرصيد جامعاتنا ولنطاق بحثنا العلمي؟.

للأمانة استوقفني كثيرا التعلل بالاستلال من الرسالة؛ لأن من حاول النشر مسبقا يعرف أن إجراءات المجلات المحترمة تحتّم على الباحث ذكر مصدر بياناته، ووقت جمع البيانات، كما أن هناك عرف علمي يجيز استخدام البيانات بأكثر من صورة ولأكثر من سؤال بحثي إذا رضي المشاركون في البحث.

السؤال الثاني:

يعرف كل ممارس للبحث العلمي أن كثيراً من الأسئلة تعرض لباحث الدكتوراه على هامش تحليله لبياناته وكتابة رسالته، وعادةً يطلب منا المشرفون عدم الانشغال بها خلال كتابة الرسالة بل الحرص على تدوينها في كتيب للأفكار للعودة لها لاحقا، فلماذا تحرم المجالس العلمية الباحثين من إمكانية الاستفادة من هذه الأفكار لأبحاث للترقية؟ خاصة والباحث يمتلك المعرفة الكافية في مجاله مما يحفزه على الكتابة والنشر في بداية مشواره العلمي؟ لا سيما مع صعوبة النشر في المجلات المحكمة على كل حال وقصة الانتظار الطويل لرد بعض المجلات.



السؤال الثالث:

ينصح بعض الأكاديميين المخضرمين زملاءهم المبتدئين بنشر أبحاث من الرسالة لكن لغير غرض الترقية، كما ينصحون بعدم الانقطاع عن البحث مهما كلف الأمر، وهذا كلام جميل وهام، لكن ما مدى واقعيته وإمكانية تحقيقه؟ وهل يُمنَح الأستاذ الجامعي وقتا كافيا في جدوله الأسبوعي للبحث العلمي والقراءة الأكاديمية؟ هل يكفي التفرغ العلمي بوضعه الحالي لملء الفراغات في بنية واقعنا البحثي الضعيف؟

لعل من المناسب أن يتكرم أحد الزملاء الأفاضل ممن ينهون عن الاستفادة من رسائل الدكتوراه ويجري دراسةً استطلاعية - كحال أغلب بحوث الترقية - عن (أثر ازدحام جداول التدريس وبقية المهام الإدارية على إنتاجية الباحث والوقت المخصص للبحث والنشر)، لكي نعرف الواقع ونتماشى معه، وإذا كان وزير التعليم يرى أن قيمة الجامعات الحكومية ليست في عدد الاعتمادات الأكاديمية بل في تأثيرها على المجتمع كما صرح أخيراً، فالأمر ذاته ينطبق على الأبحاث سواءً للترقية أو لغيرها.

أرجو من مجالسنا العلمية ومن القيادات المعنية في الوزارة مراجعة ما سبق وإفادتنا حول إمكانية إيجاد علاقة جديدة بين الترقية والأبحاث المنشورة، يتم فيها التركيز على جودة البحث وجدته وجديته ورصانة بنائه العلمي ومدى الإشارة له في قوائم المراجع الحديثة.

كما أرجو التخلي ولو جزئيا عن تعييب فكرة الاستلال لأن أبحاث الترقية بوضعها الحالي أبسط عيوبها هو الاستلال.