عن نفسي وحين المقارنة بين القراءة والكتابة كفعل ثقافي، فلا أسلس على نفسي ولا أندى من القراءة التي تأخذ بيدك نحو عوالم من الألق واللمعان، واللهفة والتوق، وتسير معك وخلفك حذو الخطوة بالخطوة في طريق مقمر يعبق بالأمان والاطمئنان والدهشة والروعة، فالقراءة هي الأداة التي تمكنك من عناق الأيام والليالي وضمها، كي لا تفر من بين أيدينا فرحتها وعِبرتها وتجربتها كما قال عبقري الكلمة الراحل سيد مرسي: «احضنوا الأيام لا تجري من أيدينا # أحلى أيام الهوى راحت علينا».

غير أني في التالي من السطور سأمارس نوعا مختلفا من الحب للقراءة، وهو الحب العاقل -ولا أظن أن في الحب عقلا- الذي يضع الأشياء موضعها الصحيح منه، ولا أزيد ولا أنقص، وهو مما يجري مجرى مصلحة المحبوب التي يحاول المحب تلمسها وتتبعها مهما كانت المشقة، إذًا فلنحاول تخيل العالم بدون قراءة، أو تخيل أن العالم سيصحو ذات يوم وقد نزعت القراءة من بين أيدي الناس، فلم يعد حرف وكلمة أو سطر وصفحة.

أظن أن أول ما سوف أواجهه في هذا الحلم أو الخيال، أولئك العشاق الوامقون الذين كبلت القراءة عقولهم وقلوبهم قبل أيديهم وأرجلهم، حسب وصف هشام شرابي لطغيان القراءة والكتابة والحرف المطبوع ودكتاتوريتهم في كتابه الفخم الفاره الجمر والرماد: «إن من أشد أنواع الخضوع تأثيرا الخضوع لسلطة الكلمة المطبوعة حينما يصبح الفكر مشلولا تجاه ما يقرأ»، هؤلاء لا أدري كيف أصفهم وأصف حالهم حينها، أو بأي طريقة سيكملون حياتهم، أو أي تيه سيشعرون به لو نزعت القراءة من بين أيديهم، وقس عليهم حتى أولئك الذين يتمردون على ما يقرؤون كمثاقفة حرة مع المعلومة المطبوعة التي يسوقها لهم مؤلف لا يعرفونه ولا يعرفهم، ويقحم تحليله أو رأيه في حياتهم إقحاما ليس أمامهم معه إلا طريقان، إما الخضوع أو التمرد، ولا منطقة بينهما وسط تدعى «اللامبالاة»، إلا إذا كانوا يعتبرون القراءة تسلية أو تزجية وقت.

وأظن أن من أسعد الناس بهذا الخيال أولئك العباقرة الذين نلتقيهم في دروب الحياة، وجيوبها الكثيرة المتناثرة هنا وهناك، والتي اندسوا فيها فلا يعرفهم سوى أنفسهم، ولا يعرفهم إلا المدركون لموهبتهم، إنهم أولئك الذين حكمنا عليهم بالموت الثقافي لا لشيء إلا لأنهم غير قادرين على القراءة لأمية حكمت بها ظروف الدنيا كما شاء لها العزيز الحكيم، أو لعدم صبر على وعثاء النظر والتنقيب في الكتب، وهذا الحكم -الموت الثقافي- فيه جور كبير عليهم وعلينا، وهذا الجور ناجم من جعلنا القراءة القناة الوحيد للثقافة، حينما كانت القراءة حية غضة طرية -مع ملاحظة أني أتحدث عن حدث متخيل-.

وهذا يحيلنا إلى سؤال طالما حدثتني به نفسي الأمارة بالسوء على القراءة، وهو كيف قيست ثقافة الإنسان قبل اختراع أو اكتشاف الكتابة التي مكنت القراءة وأدواتها من الكتب والأوراق الخشبية والإلكترونية من حبس الفعل والفعاليات الثقافية التي زخرت بها الدنيا في حروف وكلمات تنتظم كتبًا ومجلدات من أول أيام الله تعالى على الأرض وحتى يومنا المتخيل هذا؟

أعتقد أن مقاربة الجواب حول هذا التساؤل، سوف تتسبب بصدمة ثقافية جيدة، قد تسهم في إنارة الطريق، وفتح قنوات جديدة وكبيرة وواسعة مغفول عنها في سبل ومسارات لمعرفة، والعلم والثقافة أمام القراء ومحبي الكتب، وقد تخلق عندهم وعيا منيرا مستنيرا أن الدنيا خارج دفتي الكتاب أوعى وأوسع وأشرح وأكثر واقعية، وهذا عين ما ألتمسه من هذه المقالة.

أعود قليلا للواقع لأقول: إن للقراءة دورها في تشكيل الوعي الثقافي والحضاري في الذهنية الجمعية للشعوب أو على مستوى الأفراد، وليس في حيز محاولتنا هنا مكان لمداولة الرأي حول هذه المكانة المقرة سلفا، كما أن المسألة ليست حربا على القراءة وحروفها المطبوعة، بل هي محاولة لإبقائها في مكانها الطبيعي، مما يسمح للقنوات الأخرى بتفعيل دورها، وأخذ مكانها الطبيعي كأدوات ثقافية يجب أن تمارس دورها بحرية، كما تمارسه القراءة بكل عُنجهية وعنفوان.

مشكلة القراء المرضى بالقراءة والكتاب أنهم جعلوا القراءة غاية بحد ذاتها، حتى لو قالوا بألسنتهم غير ذلك، ولكن القراءة في الحقيقة وسيلة لا غير، حينما تضعها جنبا إلى جنب مع عظائم المخترعات والمكتشفات البشرية كالعجلة، والكهرباء، والوطن، ومثل اكتشاف النار والحب والأُلفة، وقد يقول قائل: إن القراءة للنتاج الإبداعي الوجداني كالشعر والقصة وغيرها غاية لدى الكثير، ولو تأملنا هذا الرأي لوجدنا أن من يقرأ الإنتاج الإبداعي يسعى إلى صقل ذائقته وتحسين منافذ الشعور في نفسه، والعيش في جوٍ من النشوة والدهشة والحبور، وهذا يجعلنا نجزم أن نوعية القراءة تلك وسيلة لا غاية، فهي وسيلة لراحة النفس وتوطيد الشعور، فكيف بالقراءة التخصصية والثقافية التي تسعى إلى تحصيل معلومة ورأي وتحليل، -وهذا طبعا خلا قراءة القرآن الكريم- ففعل القراءة عند التفكيك: يتكون من معلومة مجردة، وآراء محللة أو شارحة أو داعمة أو ناقضة لهذه المعلومة، الأمر الذي يجعلنا مع تبسيط فعل القراءة بهذا الشكل ندرك بشكل جلي المغزى الرئيس من وراء القراءة، وهو المعلومة وتحصيلها وامتلاكها، أو تنقية المعلومة وتصحيحها وفهمها أو بسط المعلومة وشرحها وتبسيطها، وهنا يمكن معرفة طرق امتلاك المعلومة، بل واختراع طرق أكثر براعة في المستقبل التقني الباهر مستقبل الذكاءات المتعددة ومستقبل الذكاء الصناعي الخطير، والذي قد يكون أحد هذه الطرق حشو ذهنك بمعلومات تعادل ما في مكتبة الملك فهد الوطنية من كتب في لمحة بصر.

أعود للواقع مرة أخرى، لأنوّه عن أن القراءة حَرمت مدمنيها -وبالأخص صغار السن والتجربة- من مصادر عديدة متنوعة لامتلاك كنز المعلومة، وقد تكون هذه المصادر المختلفة نفسها حاكمة على القراءة والكتب ومعلوماتهما ومصححة لهما، ومن أبرز تلك الأقنية العلمية والمعرفية والثقافية: الحوار، والتلقي، وهما من المشافهة المهارة القديمة والسابقة على كلٍّ من القراءة والكتابة، ومنها التجارب الحياتية، ومنها التأمل والتفكر، ومنها السياحة في الأرض والسفر، ومنها المشاهدة والمعاينة والمقارنة لأي شيء وكل شيء معنوي وحسي، وغيرها كثير.

وأود أن أبين في نهاية هذه المقالة أن محاولة إيجاد مصادر أخرى للثقافة والعلم والمعرفة غير الكتاب والقراءة تكون موازية لهما وتسير حذوهما، سيفتح آفاقا متسعة للعقل البشري لتلقي واستقبال أكبر قدر ممكن من المعلومات والمعارف التي لا تعتمد على ما قاله السابقون واللاحقون فحسب، كما أود أن أبين وأثبت قدر جهدي أن القراءة وسيلة وليست غاية بحد ذاتها، وكذلك أحاول وسأحاول مجددا وباستمرار التوسعة على عقول جبارة تعطلت بسبب الأمية أو الكسل، حُرم المجتمع من علمها وحكمتها لأنهم لا يستمعون لفيروز في الصباحات الباكرة مع قهوة سوداء، وسيجارة منتنة ينثال رمادها على حروف مطبوعة في كتاب.

أخيرا، أهلا بالكتاب والقراء والناشرين في معرض الرياض الدولي للكتاب 2018.