تقوم كل من المؤسسة العامة للتقاعد والتأمينات الاجتماعية باستقطاع نحو 9 % من راتب الموظف الذي يعمل  في القطاع الحكومي أو الخاص أثناء عمله النظامي فيها، وذلك ليتم تسديده له كراتب تقاعدي بعد انتهاء خدمته الوظيفية، ليستفيد منها الموظف المتقاعد في تدبير أمور حياته وأسرته في الفترة التالية من مسيرته العملية، ومن البديهي أن يختلف مقدار راتبه بناء على مدة الخدمة والمرتبة الوظيفية التي كان يشغلها الموظف، كما أنه من المعروف أن كثيراً من المتقاعدين لا يكتب الله لهم العمر المديد للاستفادة من كامل تلك النسبة المستقطعة مسبقاً من رواتبهم، (والتي تعتبر الأعلى على مستوى العالم)، إذ ينخفض المبلغ للنصف بعد وفاة صاحب الشأن ليقتسم الورثة النصف المتبقي من راتبه التقاعدي، وكأن حقه الكامل مرهون بحياته، وذلك على الرغم من أنه استقطع من حقوقه المالية وهو على رأس العمل، ويعتبر جزءا من ميراثه، بل وإن كان رب الأسرة وزوجته يعملان فإن الورثة لا ينالون سوى راتب تقاعدي واحد لأحدهما، وكأن الآخر لم يستقطع من مستحقاته المالية وهو موظف، وكأن ليس لورثته الحق في ميراثه، وذلك مع الأخذ في الاعتبار أن الورثة يكونون أكثر حاجة لإعالتهم بعد فقدان رب الأسرة، حيث إن الموت ليس له قوانين أو حدود معروفة أو ظروف متساوية، فقد يموت رب الأسرة وهو على رأس عمله، فيترك أطفالا أو شبابا لا زالوا يحتاجونه أو والديه أو أحدهما، وقد يتوفاه الله بعد السن النظامي للتقاعد، ولكن لا زال لديه أطفال أو يكون لديه أفراد من أسرته لا زال يتحمل مسؤوليتهم المعيشية، أو يكون قد اضطر للتقاعد المبكر لظروف صحية أو غيرها، وبالتالي سيضطر إلى راتب محدود قد لا يكفيه في كثير من الأحيان.

وكما هو معروف إن كلا القطاعين (التقاعد والتأمينات) يستثمران تلك الأموال المستقطعة من رواتب الموظفين أثناء عملهم النظامي في مشاريع واستثمارات مختلفة، بهدف زيادة الرصيد المالي والسيولة النقدية لمؤسساتهما، فتتنوع تلك الاستثمارات ما بين أصول عقارية ومشاركات في صناديق استثمارية كبرى ومساهمات، وغير ذلك من الاستثمارات التي قد تتخطى حدود الوطن لاستثمارات أكبر وأهم في مردودها المالي أو الربحي؛ وذلك يعني بالطبع أن الاستثمار يجري بمستحقات الموظفين بعد استقطاعها من رواتبهم، وفي ظل ما يتوارد لنا من وسائل الإعلام المختلفة عن العجز المالي الذي يعاني منه صندوق التقاعد والتأمينات، والذي قد يهدد الجيل القادم، فالتساؤل المطروح لكلا القطاعين: ألا يحق لهؤلاء الموظفين بدايةً، والمتقاعدين تالياً، أن يشاركوا بصوتهم ورؤاهم معكما حول طبيعة ما تُقدمون عليه من استثمارات مختلفة؟! أليست تلك الأموال التي تستثمرونها أموالهم وأموال ورثتهم؟! وإذا كان هناك تعثر في الاستثمار أو خسائر معلنة أو كساد أياً كان نوعه، فما هو على وجه الدقة والتحديد؟! أليس من حق الموظف المستفيد منكم المكاشفة ومعرفة أين تذهب أمواله وكيف تُستثمر وإلى أين تذهب حتى تخسر أو تربح؟ ألا يستحق الموظف أن يعرف مدى حجم الشفافية والمساءلة التي تقوم على إدارة تلك المؤسسات؟ أليس من حق الموظفين أن تكون نخبة منهم شريكة في مجلس لكل قطاع أو مجلس يمثل القطاعين معا؟ وذلك باعتبار أن المواطنين جميعهم سواء، أليس من حقهم المساهمة برؤاهم حول نوعية الاستثمارات وتوجهاتها من جهة، وطبيعة متطلباتهم وتطلعاتهم وحاجاتهم المختلفة من جهة أخرى؟!

وحيث إن متوسط عمر الإنسان في أي دولة يعتبر معياراً هاماً في تقييم حجم الإنجاز في التنمية البشرية، فإن (مدى العمر المتوقع له بعد الستين) أصبح كذلك من المعايير المهمة لقياس مدى توفر الرعاية الصحية والاجتماعية للفرد، وذلك بالطبع -بعد الإيمان بالله وأن الأعمار مكتوبة- حتى أصبح من المؤشرات التي تتنافس فيها الدول المتقدمة للتنمية الأفضل، فإنه حري بمؤسسة التقاعد والتأمينات توجيه استثماراتها نحو ما يخدم تطلعات مموليها الأصليين، وهم الموظفون السابقون، من خلال مشاريع اجتماعية مختلفة ومتنوعة تناسب الأذواق والقدرات المختلفة، وبرامج ومنشآت مختلفة للرعاية الصحية والتأمين على الخدمات والعلاج بأنواعه، وما يتبع ذلك من مستلزمات ومتطلبات صحية واجتماعية وترفيهية مختلفة، هذا بالإضافة إلى تطوير خدماتهم وآلية التواصل مع المعنيين بهم، وهم المتقاعدون بما يحتاجونه من تسهيلات أو خدمات تشمل كافة ما قد يطلبونه أو يبحثون عنه، خاصة مع التقدم التقني وسهولة وصول خدماتهم إلى كل موظف متقاعد مسجل في بياناتهم.

 ولعله من المناسب الإشارة إلى أن عدد السنوات المتوقعة لحياة الفرد بعد الستين في المملكة، والذي سُجل في مقياس التنمية البشرية (2016) هو (18,5) عاما، وذلك للفترة من (2010- 2015)، بينما بلغ في معظم الدول المتقدمة حوالي (23) عاما، وسجلت كل من هونج كونج واليابان العدد الأكبر من السنوات وهو (25.8) عاما، كما أن الإنفاق على الرعاية الصحية من الناتج المحلي بلغ 3,5 % في المملكة في العام 2014، بينما سجلت السويد النسبة الأعلى 10 % وفرنسا 9 %. وعلى الرغم مما حققته المملكة من مرتبة متقدمة في دليل التنمية البشرية، فإنه في ظل تلك المؤشرات ألا يستحق المتقاعدون من المؤسسة العامة للتقاعد والتأمينات الاجتماعية بذل مزيد من الاهتمام والرعاية الشاملة والجهود الواعية لمنسوبيهم، وذلك كجزء من مسؤوليتهم الاجتماعية والوطنية من خلال:

-1 مراجعة نظام التقاعد والتأمينات الاجتماعية وتحديثه بناء على التغيرات الحديثة ومتطلبات التنمية البشرية المختلفة.

2 -  الاهتمام بالاستثمار في مشاريع وبرامج مختلفة يستفيد منها المتقاعدون وغيرهم من المواطنين من خلال خدمات وتسهيلات ومنشآت صحية واجتماعية متقدمة في عطائها ونوعيتها وجودتها، بما يتلاءم مع تطلعات رؤيتنا الطموحة.

3 - العمل على التأسيس لمجلس وطني يضم نخبة من المتقاعدين مع بعض من المسؤولين في القطاعين، وتحت مظلتهما لمشاركة الفئة المستهدفة (المتقاعدين) في السياسات التي ينتهجونها، والبرامج والمشاريع التي يستثمرون فيها.

4 - تحديث آلية التواصل مع المتقاعدين جميعهم إلكترونياً، وتقديم كافة المعلومات والمستلزمات التي يحتاجونها عبر أفضل وسائل التواصل المتاح، وذلك يتضمن تزويدهم بكافة ما تقوم به المؤسستان من أعمال وخدمات وتوجهات.