إيمان الحميدان
حكاية من وحي خيالي، تسطر مشاعري إزاء صورة استفزت إنسانيتي مساء يوم من الأيام، بعد أن قرر الفريق الإعلامي لإحدى المؤسسات الإغاثية الأجنبية، القيام بتغطية إعلامية من أجل توثيق انجازات تلك المؤسسة في إحدى الدول الفقيرة، وبينما كانوا يتجولون في الطرقات ملتقطين الصور هنا وهناك، استوقفهم منظر طفل بلا قدمين من ذوي الإعاقة، أُعْجِبوا بهذا المشهد، ورأوا أنه أداة إعلامية جميلة لإخراج صورة مميزة، قد تضج في مواقع التواصل الاجتماعي، وقد تحصد جائزة أجمل صورة، مع أنها بعيدة كل البعد عن الجمال والعفوية.
اجتمع أعضاء الفريق وفكروا كيف ستكون؟ وجاء القرار أن يقوموا برسم قدمين مزيفتين لهذا الطفل، حتى يخيل للمشاهد أنه هو من رسمها تعبيرا عن حلم يراوده.
كان قرارا جيدا بالفعل، فقد انتشرت هذه الصورة واجتاحت كل وسائل التواصل الاجتماعي، وحققت نجاحا لافتا على المستوى الإعلامي، وفشلا ذريعا على المستوى الإنساني.
للأسف، معظمنا يرى في هذه الصورة دعوة إلى التفاؤل والأمل والحلم وعدم اليأس، وقد يخيل لنا أن ما نراه صحيحا، ولكن في الحقيقة أن كل ما يُرى فيها هو قسوة إعلامٍ أخرج صورة على حساب مشاعر طفل.
وعلى سبيل أنه تم التقاطها من أجل هدف إنساني، كأن تكون وسيلة لاستعطاف أصحاب القلوب الرحيمة، حتى يؤمّنوا له الرعاية الصحية اللازمة، لنقف مع أنفسنا وقفة قاضٍ، هل أصبحنا مجتمعا بلا عاطفة؟ أو بمعنى آخر: هل كان تزييف الواقع ضروريا لاستثارة مشاعرنا؟
ألم تكن تكفينا الصورة الحقيقية، حتى نستشعر تلك المعاناة؟! هل أصبحت مشاعرنا قاسية لدرجة أنها لا تشعر بالحقيقة إلا بجرعة دراما مزيفة؟!
والسؤال الأهم: هل أصبحت عقولنا فارغة؟ أو بالأحرى أين عقولنا؟ ثم ما هذه القلوب التي نملكها ولا تستطيع رؤية الألم إلا عن طريق تجميله بالخيال، حتى يتماشى مع إحساسنا المرهف؟!
وعلى سبيل السؤال: هل أثمرت تلك الصورة بالخير على هذا الطفل؟ هل قدمت له يد المساعدة التي كان يستحقها؟ أم أنها أصبحت مجرد أداة نعبر بها عن مشاعرنا؟! مجرد صورة نزين بها إنسانيتنا، أو ربما مجرد بريستيج لشخصياتنا الافتراضية.
وتستمر حكاياتنا، حتى نجح المصور في التقاط تُحْفَتَهُم الفنية، فتم تحميلها لإحدى برامج التواصل الاجتماعي. انتشرت، ثم تداولها الناس، فترجموها بأجمل عبارات تحفيز الذات، وكأن ذواتهم لا تحفز ولا تتقدم إلا برؤية طفل مهزوم ومكسور، أمام بشاعة أحاسيسهم الكاذبة.
ختاما.. هي مجرد صورة ضحّت بحلم طفل حتى تستثير أحلامنا، والمؤسف أن هذا هو واقعنا اليوم!.