قبل بضعة عقود، كانت للامتحانات رهبة عظيمة، فتُفرَض الأحكام العرفية في المنازل، ويُحظَر رب الأسرة تجول ابنه في الشوارع، وتُقَر كرات القدم، والدراجات الهوائية في قواعدها سالمة لأجل مسمى! وكان كثير من الأسر -على قلة تعليمها- تشارك أبناءها معنويا بتهيئة الأجواء المناسبة، بتأجيل الارتباطات الاجتماعية، وتقليل مشاهدة التلفاز، أهم وسيلة ترفيه في ذلك الوقت.
وكانت الامتحانات مرة في آخر السنة في كل الكتاب، ثم صارت مرتين في فصلين، وعلى الرغم من قلتها إلا أنها قوية يحسب لها ألف حساب، ترغم الطالب على عدم التساهل فيها قيد أنملة، وأنها ليست أمرا عاديا، وأن عواقب إهمالها وخيمة، فمن يرسب فيها سيدخل دورا ثانيا يختبر فيه في كل الكتاب، وينغّص عليه عطلته الصيفية، ويُعيّر بين أقرانه بالراسب!
ومن رهبتها أنها امتحانات مقالية في كتب ضخمة، حُشيت علما تقل صورها وزخرفتها.
فمثلا، طالب الثالث متوسط والثالث ثانوي امتحاناتهما مركزية من الوزارة، يؤديانها في قاعات كبيرة في مدرسة غير مدرستهما، وتعلن النتائج في الجرائد! ومع تولي الدكتور محمد الرشيد - رحمه الله - عام 1416 وزارة المعارف، نادى بتخفيف رهبتها وتقليل مرّاتها، حتى وصلنا إلى نظام المهارات في الابتدائية، ومع تعاقب السنين والوزراء، وتطوير الأنظمة صارت الامتحانات معظمها موضوعية، لسرعة تصحيحها ورصدها آليا أو يدويا. ومما أدى إلى ضعف رهبتها، تسهيلات المعلمين، وتوافر المختصرات حتى أصبحت عادية ولا داعي للقلق، لأن النجاح شبه مضمون، إذ تمتلئ الشوارع والمراكز بالطلاب حتى ضجت بهم مواقع التواصل. عند الامتحان يكرَم المرء بنجاحه ولا يُهان برسوبه!.