عندما ناقشت فيما سبق مشكلة التناقض والتضارب في الأحكام والفتاوى الشرعية لبعض أمور ديننا الإسلامي حسب أهواء بعض الدعاة، واستشهدت بما قام به أحد الدعاة في الأسابيع الماضية، انهالت على أثر ذلك ردود من بعض أتباع الداعية، ألقت على المقال الكثير من أنواع السباب والشتيمة والتخوين والتدليس، كما ارتجف البعض من قراءته وبدأ يصرخ، «لحوم العلماء مسمومة».
بعيداً عن ردود الفعل المتوقعة والمعتادة من تلك الفئة فإن عبارة «لحوم العلماء مسمومة» ليست قرآنا نتعبد بقراءته ولا حديثا لرسول الأمة صلى الله عليه وسلم، ولا أثرا للصحابة أو التابعين، وإنما هو قول لابن عساكر في القرن السادس الهجري، وهو قول يؤخذ منه ويرد، والأولى منه الحديث النبوي الصحيح: الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، والعلماء يدخلون في عموم هذا الحديث.
وهذه العبارة بمفهومها الذي ترسخ في أذهان الكثير جعلتهم يغضون الطرف عن كل سلوك أو اجتهاد يثير التساؤل أو يتعارض مع اجتهادات وأحكام استقرت عند جمهور العلماء، وأصبح أتباع بعض الدعاة لا يقبلون النقد والنصح لمتبوعيهم وصنعوا حولهم هالة من القداسة لا تمس، ولا تسمح لأحد أياً كان بنقدهم على أخطائهم واجتهاداتهم أو محاولة تصحيحها، حتى وإن اعترف هذا المتعمق في الدين واعتذر لا تستطيع عقولهم المبرمجة تصديق ذلك.
هم يرون أنهم بفعلهم ذاك يحمون العلماء وبالتالي يحمون ديننا الإسلامي ويذودون عنه بكل ما استطاعوا من قذف وشتيمة وسباب، وهم في الحقيقة ليسوا أقل ممن يستخدمون الدين لغاياتهم وتحقيق أهدافهم، بل وقعوا في شبهة تشويه مفهوم وضوابط الدين الإسلامي، المتضمنة أن النقد في الأمور الشرعية ليس حكراً على أحد دون الآخر، والأحكام أو الضوابط التي تثير الشك والارتياب أمر طبيعي وارد، والمناقشة وطلب الإيضاح حولها ليس نقدا ولا حرباً على الدين، وإنما تثبت على حقيقته في الأمور المشكوك فيها، ولأننا نحب أن يبقى ديننا الإسلامي خاليا من التشويه، نظيفا نقيا من الأمور الداخلة عليه باسمه، نحن نناقش العلماء وطلاب العلم ونطالب بالتوضيح في تلك الأمور.
ثم إن الإسلام لم يعط الحق لنقد شخص ويحرمه على الآخر، نعم هم تعمقوا في معرفة الدين ودراستهم له، وهذا يزيدهم فيه رفعة، ولكن لا ينزههم عن الوقوع في الخطأ، وما تدخله الميول وأهواء النفس البشرية عليهم، لذا فمتى ما رأى الشخص اختلافا في الأحكام أو الفتاوى فهو لن يتوانى عن خدمة دينه ولن يقف صامتا بذريعة أن «لحوم العلماء مسمومة»، أولاً لأنهم يتكلمون باسم الدين ومرجع للبعض وواجهة للدين الإسلامي أمام مختلف الأديان، والنقاش معهم في آرائهم وسلوكهم واجب على كل مسلم غيور على دينه، ثانياً حبا لديننا واحتراماً له.