في بادرة رائعة قامت بها الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد "نزاهة"، عندما صرّحت بوجود مخالفات وتجاوزات مالية وإدارية في الشركة السعودية للكهرباء في المنطقة الشرقية، تتمثل في خيانة الأمانة وتبديد المال العام في إبرام عقود بأكثر من (80) مليون ريال، تتعلق بتنفيذ برنامج إلكتروني لتوحيد أنظمة الشركة.

والممارسة الجيدة في هذه القضية، هي تصريح "نزاهة" عن كيفية التجاوزات التي حدثت في شركة الكهرباء، والمتمثلة في شراء رخص دون وجود مشاريع لها أو دراسة جدوى، ودون وجود آلية لتحديد عدد الرخص، أو قائمة بأسعار تفصيلية معتمدة، بالإضافة إلى تقديم معلومات خاطئة في مبررات التعاقد المرفوعة لأصحاب الصلاحية، وعدم مراجعة بعض العقود من الإدارة المالية قبل توقيعها من الرئيس التنفيذي للشركة، وبالرغم من شفافية تصريح نزاهة إلا أنه ينقصه توضيح الثغرات الموجودة في أنظمة الرقابة الداخلية، والتي أدت إلى مثل هذه التجاوزات.

وعلى أية حال، يبقى تصريح "نزاهة" بمثابة جرس الإنذار لمشكلة تعاني منها العديد من الجهات الحكومية في مجال عقود الحاسب الآلي والبرامج الإلكترونية، وقد تحدثت عن هذه الإشكالية في أكثر من مقالة، فبعض الجهات الحكومية تحكمها التوجهات الشخصية الفردية لمتخذ القرار فيها، وبالتالي فإن مشاريع تقنية المعلومات وأولوياتها تخضع لهذه التوجهات، وهذه الثغرة أوجدت مساحة كبيرة لمن أراد أن يستفيد من هذا الضعف لتحقيق مآربه وأهدافه الشخصية دون محاسبة أو مساءلة.

ولهذا قد نجد في بعض الجهات الحكومية مشاريع لتقنية المعلومات متعثرة تتعاقب على تنفيذها العديد من الشركات والمؤسسات في القطاع الخاص، بالإضافة إلى غموض أهداف هذه المشاريع، والعجيب أكثر وجود أكثر من مشروع على أنشطة واحدة دون رابط بينها، كما توجد مشاريع أخرى لتجديد وتطوير مشاريع قائمة، وقد استغلت ذلك بعض الشركات والمؤسسات أمثل استغلال، فهي في الغالب تفشل في تشغيلها، وكذلك تفشل في تدريب الموظفين على استخدامها، فهذه الشركات مجرّد وسيط في توريد هذه البرامج، أو على الأقل تقوم بدراسة الإجراءات الإدارية المعمول بها في الجهة، وهي في الغالب إجراءات قديمة وتقليدية، تقوم الشركة بتلخيصها، ثم تقتبس من المناهج الحديثة للإدارة لتضعها كتوصيات استشارية في تقريرها، وذلك مقابل مئات الملايين من الريالات.

وللأسف الشديد، قد تسللت تلك الآفة البيروقراطية إلى بعض الشركات المساهمة والتي تمتلك الدولة حصة فيها، ويبدو أن مجالس الإدارات في تلك الشركات لها هيمنة لا تختلف على وجه من الوجوه عن الهيمنة البيروقراطية الموجودة في الجهات الحكومية رغم وجود جمعيات عمومية ولجان مراجعة داخلية ومراجعين قانونيين للحسابات، فيتم اتخاذ العديد من القرارات التي تحقق أهداف المصالح الخاصة أكثر مما تحقق مصالح المساهمين أو الأهداف الرئيسية لتلك الشركات.

وفيما يتعلق باجتماعات الجمعية العمومية فما هي إلا اجتماعات شكلية تتم فيها في الغالب الموافقة الجاهزة على تقارير مجالس الإدارة، وتشكيل أعضاء هذه المجالس في أكثر الحالات لا يتغير، وإن كان هناك تعديل أو تغيير فهو تعديل طفيف معد له مسبقاً! ومن النادر من ينتقد المجالس وتقاريرها، فالمساهمون يركزون دائماً على مسألة توزيع الأرباح، والذي يعتبر المؤشر الحقيقي لأداء الشركات، وبالتالي الرضا التام عن مجالس الإدارة.

أما بخصوص شركات المحاسبة القانونية والتي تراجع حسابات الشركات المساهمة وتصادق عليها، تؤكد بعد المراجعة وفق معايير المراجعة المهنية أن القوائم المالية ككل خالية من الأخطاء، وتظهر بعدل من كافة النواحي الجوهرية المركز المالي للشركة ونتائج أعمالها وتدفقاتها النقدية وفقاً لمعايير المحاسبة المتعارف عليها في المملكة العربية السعودية، وتتفق مع نظام الشركات فيما يتعلق بإعداد وعرض القوائم المالية، ولهذا نجد أن تقارير المراجعين تكاد تسير على نمط واحد وهي جاهزة لكل شركة بنفس الصيغة، ولا تتضمن هذه التقارير إفصاحا كافيا، ولا تقييما لأنظمة الرقابة الداخلية في الشركات المساهمة، وذلك لأن مثل هذه الإجراءات قد تضمنتها معايير المراجعة مسبقاً.

وعلى هذا الأساس، يكون من الصعب انتقاد تقارير مجالس الإدارة، وكذلك انتقاد أعضائها، وبالطبع فإن معايير الإفصاح وتقييم أنظمة الرقابة الداخلية لا يتم تطبيقها في واقع تلك الشركات، وبالتالي فإن أعضاء الجمعيات العمومية والمساهمين لا يعلمون عن تفاصيل الأعمال والقرارات التي تقوم بها الشركات المساهمة على أرض الواقع!.

وبناءً على ما سبق، أرى أن بعض الشركات التي تسهم فيها الدولة لا تخلو من الهيمنة البيروقراطية، وتكاد تكون ممارسات الإدارة الحكومية بما فيها من مشاكل وعلل هي المسيطرة على إدارة هذه الشركات، وشركة الكهرباء ليست بمنأى عن هذه الهيمنة، والدليل على ذلك وجود نفس الممارسات البيروقراطية التي تتعلق بعقود تقنية المعلومات وبرامج الحاسب الآلي كما رأينا ذلك آنفاً.

للأسف فإن العديد من البيروقراطيين لم يستوعبوا بعد أبجديات العمل الإداري السليم، ورغم أهمية هذه الأبجديات لا تلقى قبولاً لديهم، ولا تلقى أذناً صاغية، ويبدو أن هذا المرض الإداري قد تسرّب إلى الشركات المساهمة أيضاً!، لكن تبقى "نزاهة" هي أمل المجتمع في كشف المخالفات والتجاوزات التي تحدث في تلك الشركات، ومحاسبة المسؤولين عنها، ولهذا فإن نشر نتائج التحقيق وكذلك الأحكام القضائية أصبحت ضرورة ملحة في هذه المرحلة الحساسة، فالشفافية جزء لا يتجزأ من المساءلة.