تتعالى أصوات كثير من المتنطعين بالعلم والثقافة والمعرفة والفردانية، ساخرة من الباحثين عن العلم والمعرفة بشكل مختلف في الوسيلة والطريقة، عبر محركات البحث الإلكترونية، عن تلك التي كانت سائدة قبل ظهور محركات البحث إلى هذا العالم، مع معرفتي لكثير ممن كانوا يعتقدون أن الإنترنت هو جوجل فقط، وأنه لا مجال لدخول الإنترنت إلا من خلاله، مطلقين على متصفح "الإكسبلورر" لمايكروسوفت وكل المواقع التي ترتبط بنتائج بحث العناكب، جوجل!
وبحكم تخصصي في مجال بناء صفحات مواقع الإنترنت والبرامج الخدمية سابقا، فقد كانت لي مع تساؤلاتهم حكايات -لا يتسع المجال لذكرها هنا- عن الكيفية والماهية اللتين يستطيعون بهما الوصول إلى ما يريدون معرفته، أو الحصول على إجابات لاستفساراتهم المختلفة من الإنترنت، وحين عرفوا واستفادوا جزئيا، انقلبوا لمهاجمة ما لم يستطيعوا معه تواصلا وصبرا، لا لشيء، سوى لقلة خبرتهم وتعاملهم مع المتغير التقني الجديد، ومع ما يقدمه لهم هذا العملاق البحثي الذي يتشابه في خصائصه مع بقية محركات البحث الأخرى مثل Bing، وYahoo، وSEO، وغيرها، غير أن طرقه الذكية في الاستحواذ على القارئ والباحث وكل من رغب في المعرفة والتعلم، قد تنوعت بشكل أكثر اتساعا وعمقا من غيره، وتفننت أجنحته في الاستحواذ على أغلب المستخدمين في العالم، متميزا بتقديمه خيارات متعددة للمعلومة والصورة والترجمة -على الرغم من ضعف الأخيرة- دون أن يفرض عليك قبول ما يقدمه، ليضعك أمام وعيك وحدسك ومدى قدرتك على تحليل المطروح، فاتحا الباب لمشاركتك التفكير في ماهيتها ومرجعيتها والبحث عن أصولها، واستغلال فرصة تنوع الخيارات للبحث عن المزيد، وهي صفة عظيمة يحسن تقديمها بذكاء.
كل ذلك لم يقنع الذين يعيبون على مستخدميه استشارته أو زيارته أو أخذ المعلومة منه، لأنهم كما أظن إنما يبحثون عن مبرر للدفاع عن معتقداتهم وقراءاتهم الشخصية، تلك التي شكلت قناعاتهم في زمن ما، حتى أصبحوا لا يرون عنها بديلا! وهي من صفات التفكير الماضوي الذي لا يؤمن كثيرا بالتغيير والتنوع وثقافة الاختلاف.
لذا، تراهم لا ينتقدون مستخدمي جوجل، سوى للحط من معلومة رواده -على الرغم من استخدامهم له أيضا- بموازاة طريقتهم العتيقة في الحصول على المعلومة باعتماد البحث البطيء من خلال مراجعة الورقيات التي تترنح اليوم أمام سرعة العصر المعلوماتي وثرائه.
لقد أصبحت مواقع البحث والخوازن الإلكترونية، الذاكرة الأكبر حجما والأكثر تنوعا في التاريخ الإنساني على مر العصور، وأجزم أن القادم سيكون أكثر إذهالا وتجاوزا لكل ما نعرفه اليوم، والأكثر كرما في تقديم المعلومات بحيادية لكل من طرق أبوابها، للاستفهام عن أي مذهب فكري أو سياسي أو اقتصادي أو ثقافي، وما كُتب حولها من قول أو رؤية أو تفسير أو رأي، بعكس من يقدمها لك مفروضة قطعية مقرونة بالتفضيل، الذي أزعم أن بعضه تضليل، يحاول صنع أصنام متجددة في الشكل متفقة في المضمون.
هذا المحرك البحثي، من وجهة نظري، هو أكثر المعلمين تسامحا وشرحا، وأكثرهم وضعا للخيارات على الطاولة، تاركا أمر تفحصها لك، لتصنع ثقافتك بموازاة الشلال المعلوماتي غير المحدود، الذي أرى معه أننا بحاجة ماسة إلى خطاب جديد، في مضمونه وفي طريقة إلقائه، والتعامل والتواصل معه، إذ لم تعد المنبريات مجدية لردم الهوامش التي أنتجها حجم تدفق المعلومة في الوقت الحالي، وأظن أن انقراض المنبريات سيحولها إلى خانة التراث يوما ما، كما تحولت غيرها من أساليب الإلقاء والكتابة والتأليف.