كانت بالضبط: ليلة رأس السنة في استقبال العام الجديد 1988، شاب صاخب في مراهقة متأخرة بجوار زوجته..... الطازجة إلى عوالم الحياة القادمة... في مقعدين سياحيين على الطائرة إلى نيويورك. كنت قد سبقتها إلى العالم الجديد قبل سنة، ولعل هذا العام من التجربة قد تحول إلى ما يشبه القرن من محاضرة الأحلام الوردية التي كنت أسردها إليها في ساعات هذه الرحلة الطويلة. قروي خالص سبق "الأبهاوية" المترفة إلى عوالم ونفر وشيكاغو وأحراش جورجيا الكثيفة، كنت قروياً فطريا وحتى أمياً إلى الأدنى البدهي من المعلومة إلى الحد الذي لم أستوعب فيه حدة سائق التاكسي الغليظ الأسمر وهو يقول لي بصلافة: من هو الذي ينزل إلى "مانهاتن" في ليلة رأس السنة دون عنوان أو حجز لغرفة فندقية؟ لا زلت أتذكرها بالضبط وكأنها ليلة البارحة: أنزلنا صاحب التاكسي من السيارة على الرصيف في "التايمز سكوير". شابة في روعة الجمال الاستثنائي الأخاذ لا تعرف حتى الأولوية: هل تتبع زوجها إلى كل صالون استقبال فندقي وكل موظف يعتذر عن القبول بعد كل طابور طويل، أم تمسح دموع الفراق والغربة المنهمرة مثل شلال ساخن في ليلة "نيويورك" المنهمرة بسماء من الثلج والزهمرير الذي لا يكاد يترك لها عظما من أضلاع صدرها دون أن تعرف مكانه.

عند الثامنة والربع مساء... ولا زلت أتذكرها بالضبط، وبعد تسع ساعات من البحث عن مترين مربعين في قلب "مانهاتن" انهارت هذه المترفة القادمة من بيت ثراء وكفاية أمام موظف الاستقبال: أريد أن أنام. كانت امراة سمراء بدينة رائعة... خرجت من مكانها لتقبل هذه البيضاء لتقول لها: لدينا غرفة أخيرة ولكنها دون تكييف في هذا الظرف المناخي القارس. كان لدينا ثلاث حقائب سحبناها على كل الأرصفة في هذا اليوم الطويل ثم لبسناها كاملة وكأننا من غزاة الفضاء حين دخلنا هذه الغرفة. لم نكن نعرف أننا من سكان أشهر فندق على الأرض... "وولدورف أستوريا" وفي قلب مانهاتن. كل سكانه يحجزونه قبل عام من أجل رأس السنة، ونحن نمنا فيه مثل الموتى عند العاشرة مساء دون أن نعرف لماذا وكيف كنا في المكان الصحيح مع المعلومة الخطأ.

صباح اليوم التالي.... كانت هذه الشابة الآسرة تفتح ما حملته من ألبوم صور عالمها المسافر إلى الأبد...... أمها التي كانت قبلة شعراء القبيلة... أبوها الذي تحبه بجنون... أخوها الصغير... صور أخواتها الثلاث اللواتي عاشت معهن كنفس واحدة. صورة غرفة نومها الدافئة فوق أعلى جبل أبهاوي بكل ما فيها من بذخ ارستقراطي. كانت تبكي بحرقة وهي تسألني... هل لا زالت طائرة السعودية في مطار نيويورك؟ لم أقل لها إن الحياة لا تقف عند صورة واحدة.