يخطئ البعض عندما يصنف التربية على أنها مرادفة للتعليم رغم علاقتهما الوثيقة والمتينة حتى أصبحا في نظر الجميع بمثابة الشقيقين التوأمين. إلا أنهما في حقيقة الأمر مجرد صديقين عزيزين قد ينطبق عليهما المثل الشائع «رب أخ لك لم تلده أمك» إلا أن فصلهما عن بعضهما حتى لمجرد فصل اسمين فقط قد يكون لذلك تأثير ومردود آخر في عيون وفكر الصغار مما قد يجعلهما في نظر البعض شيئين مختلفين ليس بينهما أي علاقة لا من قريب ولا من بعيد، وقد يكون لذلك بالغ الأثر على الأقل في عيون طلاب المدارس من الأطفال على وجه الخصوص، وهذا بالتأكيد أمر غير مستحسن أن ينشأ الصغار وهم يعتقدون في رواحهم وغدوهم لمدارسهم أنهم ذاهبون ليتعلموا، فقط أما التربية فليس لها مكان في مدارسهم بدليل أنهم على أقل اعتبار لم يعودوا يشاهدون أو يقرؤون تلك الكلمة الرقيقة «التربية» على واجهات مدارسهم أو على أغلفة كتبهم.
ولعل ما دعاني إلى الكتابة عن هذا الأمر هو ما حكاه لي أحد المعلمين عندما قاطعه أحد طلابه في الصف الرابع، وكان يتحدث إليهم عن التربية والتعليم وأهميتهما في الحياة، فإذا بذلك الطفل يرفع يده ويقول «الآن فيه وزارة التعليم ما عاد فيه وزارة التربية يا أستاذ»، يقول المعلم آلمتني هذه الكلمة كثيراً.
وعن التربية والتعليم فإن لرجال العلم والفكر وأصحاب النظريات العلمية وجهات نظرهم المختلفة في ذلك إلا أنهم يجمعون على أن التربية هي امتداد للتعليم لكنها تختلف عنه. فمنهم من عرف التعليم بأنه تلقين المعلومات وتهيئة المتعلمين لاكتساب المهارات، وغالبا ما يكون في المدارس والمعاهد وغيرها... والمدرسة أيا كان نوعها هي تلك البيئة المصطنعة التي أعدت إعدادا خاصا من حيث نظامها وإدارتها ومدرسوها، ولها هدف أساسي تقوم على تحقيقه وهو تعليم الأطفال والطلاب شتى أنواع المعرفة.
أما التربية فقد عرفها البعض على أنها تتناول الإنسان البشري مند ولادته وحتى وفاته "فهي عبارة عن مجموعة من التغيرات والتطورات والتوجيهات تؤثر في سلوكنا، وتشكل أسلوب حياتنا، وتتحكم في تفكيرنا، وتحدد أنواع علاقاتنا، وتحدد تصرفاتنا، فهي الحياة بأوسع معانيها". فالتربية بهذا المعنى أوسع مجالا من التعليم، وأعظم أثرا في تربية الطفل وتشكيل شخصيته.
بقي أن نقول ينبغي أن تبقى كلمة التربية ملازمة لكلمة التعليم، فهي على الأقل تزرع أثراً خلاقا في نفوس الناشئة وهم يشاهدون الكلمتين في كل مكان متلاصقتين ومعطوفتين على بعضهما، فلا يشعرون أنه لا علاقة بينهما البتة.
فهل ستعود التربية في مسماها إلى أحضان التعليم فنقول "وزارة التربية والتعليم" بدلاً من "وزارة التعليم"؟ هذا ما نرجوه. مع أهمية الإشارة إلى أنه يتعين على المعلمين ومنسوبي التعليم بصفة عامة عدم تجاهل التربية في مدارسهم ومع طلابهم حتى وإن غابت في اسمها من شعار وزارتهم.