اختتمت مساء أمس فعاليات الملتقى السنوي الثالث لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، التي تواصلت على مدى يومين في العاصمة الإماراتية أبوظبي، بالتأكيد على أن الدولة الوطنية المعاصرة تستمد مشروعيتها من قاعدة تحقيق المصالح ودرء المفاسد. ما يعني أن "دولة الخلافة هي صيغة حكم غير ملزمة للمسلمين"، حسب دراسة قدمها رئيس منتدى تعزيز السلم الشيخ عبدالله بن بيه، وهو ما يستدعي ـ حسب الدراسة ـ تجديد الخطاب الديني، مع إدراك الصعوبات التي تعترض ذلك، ومن أخطرها، تحريف المفاهيم لعدم استيعاب أصولها الأولى أو للجهل بالشروط الزمانية والمكانية التي تعيد صياغة المفهوم.
وجرى التشديد على أن جوهر تجديد الخطاب الديني إنما يكمن في صياغة المفاهيم صياغة مستقلة مبتكرة، أو مراجعة المفاهيم المعتمدة في المجالات المستهدفة وما يتولد عنها من الأحكام لتهذيبها وعرضها من جديد على أصولها من جهة وعلى النتائج من جهة أخرى، مما قد يؤدي إلى تحويرها أو تغييرها أو تطويرها أو تعديلها وتبديلها.
حرية الرأي
شدد العلماء والمفكرون في الملتقى على أن طبيعة الرسالة المحمدية باعتبارها الرسالة الخاتمة اقتضت أن تتسع أصولها ومقاصدها للبشرية جمعاء وأن تترك للعقل والرأي والتجربة الإنسانية النصيب الأوفر في تدبير ما الأصل فيه التغير والتطور كمسائل الدولة ووظائفها ومؤسساتها. دون التغافل عن حقيقة أن كثيرا من الباحثين تربكهم العلاقة بين الديني وبين الدنيوي والإحالة المتبادلة فيما بينهما في الإسلام لضعف معرفتهم بطرق الاستنباط من النصوص وبمقاصد الشريعة وأدوات التنزيل في السياقات الزمانية والإنسانية، فيقتصرون على ظواهر من النصوص دون مقاصد وعلى فروع بدون قواعد فيدخلون في خصومة مع كل واقع يتجدد.
مفسدة الخروج
كانت فعاليات اليوم الثاني قد استهلت بجلسة تحدث فيها مدير المعهد العربي الأميريكي الدكتور جيمس زغبي، ونائب رئيس منتدى تعزيز السلم، رئيس كلية الزيتونة في كاليفورنيا بالولايات المتحدة الشيخ حمزة يوسف، فتناول زغبي في كلمته موضوع "دور الدين في المجتمعات المسلمة" من خلال استطلاع للرأي شمل سبع دول، تبين فيه أن جميع المشاركين بالاستطلاع يكرهون التطرف والعنف، "فمعظم الناس يريدون في العالم العربي، العمل، والتعليم، والصحة، ويتطلعون إلى الأمام ولكنهم يخافون النظر إلى الماضي".
بدوره استعرض الشيخ حمزة يوسف ثورات عدة في التاريخ الإسلامي القريب والبعيد، انتهت جميعها إلى مفسدة أكبر بكثير من المفسدة التي بررت الخروج على الحاكم. متناولاً ما سماه "واجب الدولة" في التجربة الغربية، وبخاصة من خلال مفهوم المفكر جون لوك، وهي المحافظة على نفوس وأموال المواطنين، ومراعاة النظام والأحكام بالعدالة، وحراسة البلاد، وكذلك في الدستور الأميركي (المقاصد الكبرى لإقامة الدولة)، وهي إقامة العدالة، وضمان الاستقرار الداخلي، وتوفير سبل الدفاع المشترك، وتعزيز الخير العام، وتأمين نعمة الحرية لنا ولأجيالنا القادمة. أما الأحكام السلطانية فتشمل الأمن الداخلي والخارجي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحسبة السوق.