احتفل العالم أمس باليوم العالمي للسلام، والذي يوافق 21 سبتمبر، والذي اعتمدته الجمعية العامة سنة 1981، لتعزيز المثل العليا للسلام في كل الأمم والشعوب، وتأكيدا على أن السلام وحده هو الذي يضمن بقاء واستمرار الإنسانية في عالم سماته الأساسية التعدد والاختلاف والتغير، كأمر ملازم للوجود الإنساني، وسنّة كونية لا مناص عنها.
وموضوع فعاليات اليوم الدولي للسلام لعام 2016 هو "أهداف التنمية المستدامة: بناء أحجار أساس من أجل السلام".
ولو درسنا تجربة أي مجتمع مستقر منسجم في داخله، وأي مجتمع مضطرب متمزق، لوجدنا أن هناك علاقة بين التنمية والسلام، فسنغافورة مثلا هي دولة تتعدد فيها الأعراق، إذ تتكون من 4 مجموعات عرقية "صينيون 75%، ماليزيون 15%، هنود-باكستانيون 7%، أوروبيون 2%".
كما تتعدد فيها الديانات إلى 6 ديانات هي: البوذية والطاوية والكونفوشية 54%، الإسلام 18%، المسيحية 13%، الهندوسية 4%.
إذن، تعددية الأعراق واللغات والديانات، لم تتسبب في حدوث اضطرابات ولا نزاعات، ولم تعرقل نمو البلد وتقدمه، بل على العكس من ذلك كان مصدر إثراء ومبعث اعتزاز.
إذ تعترف سنغافورة بأربع لغات رسمية هي لغات تلك المجموعات العرقية التي يتشكل منها الشعب "الصينية والإنجليزية والماليزية والتاميلية"، وتصدر الصحف اليومية باللغات الأربع، وتبث برامج الإذاعة والتلفاز بأربع لغات أيضا.
ثقافة السلم انعكست على التنمية في سنغافورة، إذ يتميز اقتصادها بدرجة عالية من التطور والتنوع، فهي مركز مالي تجاري مهم، إضافة إلى استقطابها السياحي وإنتاجها الصناعي مع قلة مواردها الطبيعية.
ورغم محدودية أراضيها المخصصة للزراعة، إلا أن كثيرا من الفلاحين يستخدمون الطرق التقنية المتقدمة، مثل الزراعة المائية، ويعد ميناء سنغافورة الأكثر ازدحاما في العالم من حيث الحمولة الطنية.
وفي المقابل، هناك جمهورية رواندا هذا القطر الإفريقي الذي يتمتع بثروات طبيعية من المعادن، كالبترول والغاز الطبيعي والذهب الخام والفحم، وفيها غابات ضخمة توفر الخشب المنشور وأخشاب الصناعة وحطب الوقود، وفيها ثروة حيوانية كبيرة.
كما تتنوع فيها المعالم الطبيعية، فهناك المرتفعات ذات الفوهات البركانية، والأودية المتعرجة، والبحيرات ذات المناظر الخلابة، فضلا عن السهول الممتدة التي تغطيها الحشائش، ويطلق عليها بلد العشرة آلاف هضبة.
وفيها مجموعتان عرقيتان "الهوتو 90% والتوتسي 9%" ينتميان إلى أصل واحد لخضوعهما تاريخيا لملك واحد هو موامي، ويدين معظم أبناء القبيلتين بدين ومذهب واحد، إذ يتبعون الكنيسة الكاثوليكية.
ومع ذلك، فإن هذا البلد يعيش وضعا مأساويا نكدا، بسبب افتقاده الاستقرار والسلم الاجتماعي، فمنذ مئات السنين تسيطر قبائل التوتسي -الأقلية- على قبائل الهوتو التي تشكل الأكثرية، ونتيجة لشعور الأكثرية "الهوتو" بالإجحاف والغبن تفجر صراع دموي عام 1959 ذهب ضحيته 150 ألف قتيل، وتشرّد 150 ألفا آخرون، وسيطر "الهوتو" في أعقاب ذلك على السلطة والحكم، ثم تفجّر الصراع مرة أخرى سنة 1994 بشكل أعنف، فأدى إلى سقوط نصف مليون قتيل، وتعرضت البلاد إلى أكثر الإبادات الجماعية في التاريخ في القرن العشرين، ونتيجة هذا الاحتراب الداخلي، تعيش رواندا تخلفا شاملا، فهي دولة فقيرة اقتصاديا، رغم إمكاناتها الكبيرة، فقطاع الصناعة فيها ما زال محدودا للغاية، والحياة المعيشية صعبة، مما يضطر كثيرين من مواطنيها للهجرة، طلبا للرزق في البلاد المجاورة.
أخيرا، أختم بديباجة الأمم المتحدة في هذه المناسبة لهذا العام: أهداف التنمية المستدامة جزء لا يتجزأ من تحقيق السلام في عصرنا، والتنمية والسلام مترابطان ويعززان بعضهما بعضا.