من حق الإنسان أن يمارس طقوسه الدينية بأريحية كاملة وحرية تامة، ولا سلطان لأحد عليه في علاقته بربه، ما لم يتجاوز ذلك إلى حريات الآخرين وحقوقهم، أو يشكل خطرا على أمن بلده ووحدته واستقراره، والمتدين لا يمكن أن يقوده إيمانه إلى التآمر والخيانة والاصطفاف مع الأعداء ضد وطنه وقيادته وأهله، إلا أن يكون متطرفا أو مأجورا، ولو كنت في موضع المفاضلة بين المتطرف والمأجور لفضَّلت الأول على الثاني، لأن المتطرف -على سوئه- مخلص للأفكار التي نشأ عليها وغُذِّي بها، وهو على أتم الاستعداد للتضحية بنفسه من أجلها، فهو على الأقل يُحتَرم لإخلاصه لفكرته، ويمكن التعامل معه على أساس أنه درويش تم تسخيره وتجنيده لخدمة مخططات الآخرين وتحقيق أهدافهم، فهو أضر من حيث يريد المنفعة. على العكس من المأجور الذي يتم استخدامه ثم يلقى في أقرب سلة مهملات، فلا يُحتَرم حتى من الذين يعمل لمصلحتهم، فمما يُنسب إلى هتلر أنه عندما سئل عن أحقر الناس قال: أولئك الذين ساعدوني على احتلال بلدانهم.

ذكرت صحيفة السياسة الكويتية في صفحتها الأولى الخميس الماضي خبرا عن نواب كويتيين "يحجون" إلى كربلاء، فمن الناحية الدينية ليست لدي مشكلة مع هؤلاء النواب حتى لو تحولوا إلى بوذيين أو هندوس، لأن هذا القرار شخصي، وهم وحدهم من يتحملون مسؤوليته أمام الخالق عز وجل، بتحويلهم قبلته من مكة إلى كربلاء، والعياذ بالله. لكن مشكلتي معهم وطنية خالصة، ولأسباب تتعلق بالولاء والعمالة لبلد خارجي، فهذه الزيارة تحمل مدلولات سياسية وأولويات ولاء وانتماء، فهي أتت تنفيذا لدعوة أطلقها زعيم التطرف الشيعي علي خامنئي لمؤيديه بتحويل وجهتهم هذا العام من مكة إلى كربلاء، وهي نوع من الاصطفاف مع إيران ضد السعودية، كما أنها مخالفة تماما للموقف الرسمي لدولة الكويت الشقيقة، وهذه ليست المرة الأولى التي يفعلها النواب الشيعة في الكويت، فقبل أشهر قاطع 9 منهم جلسة مجلس الأمة الكويتي، بعد إصدار أحكام قضائية بحق شيعة متهمين بالتخابر مع إيران وحزب الله، فضلا عن مواقف عارية لعضو مجلس الأمة الكويتي عبدالحميد دشتي ضد السعودية، استمات فيها دفاعا عن إيران والميليشيات الشيعية المتطرفة إلى درجة أن قال: "إن الخطر آتٍ من السعودية وليس إيران"، وكلما صفق له متطرفو الطائفة ازداد حماسا فتعرى أكثر، إلى أن أسقط عن نفسه آخر ورقة توت كان يستتر بها، فصار يطوف عواصم العالم كالمجنون يهذي محرِّضا على السعودية، ومبشرا بنظام الملالي وحلفائه من الطغاة والسفاكين والقتلة، لكنه كعادة العملاء تُرِك وحيدا هائما على وجهه، يسجل خطابات جوفاء في قاعات فارغة لا يسمعه أحد ولا يدري عنه أحد، وقد صدق نابليون حين قال: "مثل الخائن لوطنه كمثل السارق من مال أبيه ليطعم اللصوص، فلا أبوه يسامحه، ولا اللصوص تشكره".

طبعا هذا وأمثاله لا يمثلون إخواننا الشيعة الكرام، وهو أقل من أن يؤتَى على سيرته، لولا أن الإشارة إليه مهمة كي تكون الرسالة واضحة أكثر، فإن وصول نواب من هذا النوع إلى المجلس مسيء لإخواننا الشيعة، فهو يشير ضمنيا إلى أن أغلب الشيعة في الكويت يتبنون الموقف نفسه، وأجزم أن الحال ليس كذلك، غير أني لا أدري لماذا الإصرار عليهم رغم معرفتنا جميعا أنهم يعملون لأطراف خارجية، ويمثلون خطرا على أمن وطنهم ووحدته واستقراره.

كما أني على يقين أن هناك عشرات الآلاف من أبناء الطائفة الشيعية الأكارم مَن هم أولى من هؤلاء النواب، وأكثر ولاء ووفاء للكويت وللعرب، ولكي يدرك إخواننا الشيعة خطورة هذا الوضع وقابليته للانفجار في أي لحظة، عليهم أن يتخيلوا وضعا مشابها له تماما من الطائفة السنّية؛ يُطعَن فيه بالقضاء ويُداَفع فيه عن المجرمين، وتكون المواقف فيه متعارضة مع مواقف الدولة الرسمية أو منحازة إلى جماعات متطرفة من الطائفة ذاتها.

إنني أدعو كل أخ شيعي كريم، أن يتخيل وجود نواب محسوبين على الطائفة السنية، ممثِّلين للشعب في مجلس منتخب يستجيبون لدعوة متطرفين سنة كالظواهري أو البغدادي أو الجولاني، فيحجمون عن الحج إلى مكة المكرمة، ويتبرعون بثمن حجتهم لدعم جماعة من الجماعات السنية المتطرفة كـ"داعش" أو القاعدة أو جبهة النصرة، ماذا ستكون نظرته لمن أوصل هؤلاء النواب إلى المجلس؟ وهل يمكنه النظر إلى من أوصلوهم وجعلوهم ممثلين لهم على أنهم شركاء في الوطن؟

أعرف أن الإجابة عن هذين السؤالين محسومة، وهي بسيطة للإنسان العادي الذي لم تتلوث فطرته بأدران الطائفية والتطرف والعنصرية، ومن كان في قلبه مثقال ذرة من وطنية، فعملية جمع الأموال خارج إطار الدولة مجرمة أصلا في أغلب بلداننا العربية، وأعرف أشخاصا متهمين سنة تمت محاكمتهم وإيداعهم السجون بتهم تتعلق بتمويل الإرهاب، حتى لو كان الهدف من هذا التمويل دعم جماعات ثورية تقاتل أنظمة معروفة بإجرامها وطغيانها، وتجهر بعداوتها لأوطاننا، لأن الدولة تخشى أن تقع هذه الأموال في أيدي جماعات متطرفة فتستخدمها في عمليات إرهابية ضد مدنيين أبرياء وأشخاص عُزِّل، وعلى الرغم من أن الديموقراطية هي من أفضل نماذج الحكم التي عرفتها البشرية في العصر الحديث، إلا أنها لا تخلو من العيوب، فمن مساوئها أنها تمنح صوت الناخبين ذات القدر من الأهمية في ترجيح كفة المرشحين في أي عملية انتخابية، كما أنها قد تُختَطف من جماعات متطرفة أو عميلة لأنظمة خارجية، فتصير خنجرا يرتد إلى ظهر الوطن، وإذا لم تتدخل الحكومة سريعا لتعيد النظر في أنظمتها بما يضمن المحافظة على سيادة الدولة وأمنها واستقرارها، ولو أدى ذلك إلى إصدار قوائم سوداء بأسماء الأشخاص الموالين لأطراف خارجية، ومحاكمتهم وإنزال أشد العقوبات بحقهم، فأغلب الظن أن مصير أي دولة سيكون بين خيارين لا ثالث لهما، إما حرب أهلية لا تبقي ولا تذر، وإما احتلال خارجي رأس الحربة فيه أمثال دشتي.