كثير منا تابع التبجيل الذي تلى إعلان وفاة بطل الملاكمة (محمد علي كلاي) والذي لم يكن ليحظى به في مجتمعاتنا لو لم يكن مسلما، وهذا أمر طبيعي حيث إننا شعوب نجد في إيماننا وسيلة للارتباط حتى لو كان مع رجل يقطن غابات الأمازون، ولكن من المفارقات التي لا أعرف كيف أفسرها هو أن البطل الأميركي المسلم بجله كذلك العديد ممن ينادون بإلغاء المرأة من الوجود، وتغاضوا عن حقيقة كونه كان من أشد المشجعين بابنته (ليلى) في مسيرتها الاحترافية كملاكمة.. نعم ملاكمة تلبس الشورت ويظهر من جسمها ما لا يمكن وصفه لدواعي الرقابة وشهر رمضان، في حين يرمي هؤلاء وأتباعهم أعراض النساء والرجال الداعمين لقضايا المرأة في بلادنا بأبشع الأوصاف، فقط لكونهم أيدوا حقها في قيادة السيارة مثلا أو في تقرير حقها في الزواج دون إجبار من أحد.
مشهد آخر أتى به مسلسل (سيلفي) هذا العام حين حاول رب الأسرة أن يدعو نادلا في أحد مقاهي الدولة الأوروبية التي يزورها مع عائلته، أن يدعوه للإسلام وهو دون شك تصرف يقوم به الكثيرون دون فهم بأن لكل مقام مقالا، وأن الدعوة التي يراها عمل خير قد يراها الآخر تدخلا في شأنه الشخصي الذي لا يعنيه، هذا الإنسان الداعي انقلبت أساريره عندما اكتشف أن النادل هو بالفعل مسلم فيبدأ بنعته بأبشع الأوصاف كونه مسلما ويعمل في مقهى يقدم الخمر.
التناقض في المواقف والنفاق الاجتماعي هما وجهان أنتجهما منهج رفض الآخر المستفحل تعليميا واجتماعيا، فالبطل المسلم يشفع له تساهله الديني ما دام بطلا يوصل صوت الحق في أرض الباطل، بينما المستضعف لا يُقبل مسلما ما لم يكن وفق هدايتنا وتفصيلنا نحن!
إن من أهم ما يعيب المجتمعات هو القدرة على تبرير النفاق والدفاع عن المعايير المزدوجة التي تقبل الأمر في حين وفي حين آخر تجد له ألف سبب للزج به في الظلمات، فكيف يصح التشكيك في إيمان مسلم يقطن بيننا ويتهم بأبشع الصور لأنه كتب رواية رمزية أو سطر مقال انتقد من يختلف معهم، في حين يبجل رجل يختلف معهم في كل شيء ولكنه لدواعي الدعاية أصبح واحدا منهم!
ذكرتني هذه المسألة بما تعلمناه في المدارس صغارا من تبجيل الدولة الإسلامية الفاطمية وأنها كانت تمثل عظمة الإسلام في زمانها، إلا أننا عندما دخلنا الجامعة قالوا لنا إنها دولة شيعية رافضية يجب ألا نفخر بها ونجتر عظمتها، ويا للعجب لهذا التناقض.