انتشار الصيدليات الدوائية من أبرز سمات المجتمعات الحديثة، مما جعلها ظاهرة ثقافية تنتقل بالعدوى من بيئة إلى أخرى، وعادة ما تنطوي تلك الظواهر على أنساق مضمرة، تضع الداء في قلب الدواء وفق منهجية وإستراتيجية تُحاك في الخفاء ليجري التعاطي معها بوصفها جزءا لا ينفصل عن الثقافة.

عندما تمتلئ الطرقات بالصيدليات، وتأخذ في الانتشار التدريجي حتى تزاحم مطاعم الوجبات السريعة والأسواق التجارية ودكاكين الحلاقة ومحال المشاغل النسائية، علينا أن نتوجس ونرتاب، ليس لأننا مرضى، ولكن لأن هناك من يبيع وهم المرضِ من أجل إنجاح مشاريعه الاستثمارية، هناك من يعد صفقات لدخول بعض الأدوية إلى بلادنا ويستميت كي يجعلها سلعة أكثر اقتناءً من الخبز والماء.

الإعلانات الترويجية ذات الثمن المدفوع من أبرز وسائل زرع ثقافة الوهم في ذهنية المجتمعات. استطاعت أن توقظ وسواس المرض القابع في عقل كل إنسان، على الرغم من صمتها عن الآثار الجانبية للعقاقير الدوائية على جسم الفرد، فضلا عن استنزافها اقتصاد شريحة كبرى من السكان، والذي يذهب إلى جيوب الأثرياء، إلى جانب أثرها السلبي على الحالة المزاجية، وانعكاسها على العلاقات الاجتماعية.

وإن كان الفرد الحديث أكثر وعيا في الوقاية من الأمراض مقارنة بالإنسان القديم، إذن ما الذي يبرر انتشار الصيدليات بهذه الكثرة؟ والتساؤل الجوهري الآخر: لماذا يحتكر نشاط الصيدليات عدد محدود من رجال الأعمال دون غيرهم؟ وهذا يدفعنا إلى تساؤل ثالث: ما الصلة بين ملاك الصيدليات والأطباء في المستشفيات الذين يحددون نوعية الأدوية ومسمياتها؟

التساؤلات السابقة بدورها تفتح لنا آفاقا جديدة من الأسئلة، وتقودنا إلى زاوية أخرى للبحث في أسباب انتشار الصيدليات، بوصفها نشاطا تجاريا ربحيا لا يكتفي بمعالجة المرضى بل يذهب إلى صناعة وَهْم المرض ليستمر في بيع الأدوية وجني الأرباح.

صناعة وَهْم الأمراض ليست عشوائية، إنما تخضع للتنظيم والتخطيط المسبق، وأحيانا يذهب خطرها إلى أبعد من ذلك، كاستيراد البضائع الضارة بهدف إنتاج أمراض تستلزم مراحل علاجية معقدة، مثل منتجات التبغ، علاوة على ترسيخ السلوكيات الخاطئة التي تنتج عنها أمراض السمنة وداء السكري وارتفاع ضغط الدم، فتلك الأمراض لم تنتشر عبثا، بل جاءت نتيجة ثقافة استهلاكية غيبت المجتمع عن الأضرار، ثم سوّقت للعقاقير الدوائية علاجا يُباع في الصيدليات المنتشرة، وهذه عملية اقتصادية دقيقة، اتخذت من الحالة الثقافية مركبا لها لتحقيق أرباح هائلة عبر ما يمكن تسميته "وَهْم الثقافة".