قبل سنوات طويلة تقارب الـ25 عاما، زرت صحيفة المدينة، كنت أريد زيارة مبنى قسم المحليات، إذ كان القسم المحلي حينها من أغزر صفحات المدينة -بل والصحافة المحلية عموما- إنتاجا. أخذني أحدهم إلى صالة لا تتجاوز 10 أمتار مربعة، قال لي هذا قسم المحليات، وليس هناك مبنى كما تتخيل!
كان تصميمها بشكل عملي كالذي نشاهده اليوم في كثير من الشركات الكبرى. حواجز وقواطع زجاجية، وحركة لا تهدأ في تلك الصالة!
في تلك الفترة، كانت صحيفة الرياضية هي الشغل الشاغل للجمهور الرياضي. صحيفة لا تهدأ ولا تنام. تضم عددا هائلا من العاملين والمحررين. اللافت -وهذا الشاهد الثاني- كانت في دور واحد أشبه بشقة كبيرة تم تصميم مكاتبها بشكل هندسي متقابل، تفصل بينها قواطع زجاجية بما فيهم رئيس تحريرها ونوابه ومساعدوه وسكرتاريته!
ليس لدينا في أغلب مؤسسات الحكومة خريطة واضحة للمباني. مجرد اجتهادات. تقف أمام بعض مكاتب العمل الجديدة، وفروع مؤسسة التقاعد، وبعض فروع التجارة -سابقا- تثير إعجابك. تجد أنها عبارة عن صالة رحبة تضم جميع الموظفين، بينما لا يحدث الشيء ذاته حينما تمر على مبان تقليدية ضخمة، وأدوار كبيرة، لجهة حكومية مجموع العاملين فيها لا يتجاوز 200 موظف أحيانا. يعششون وسط مكاتب واسعة، وأبواب ومصاعد وممرات. بينما لو أردت؛ تستطيع أن تجمعهم في دور واحد وصالة واحد كبيرة -أو صالتين- بشكل هندسي، وتوفر الأرض والمال والطاقة وتستثمر الأدوار المتبقية للصرف على مشاريع الإدارة!
توقفت أمام مبنى إدارة تعليم، مكون من 6 طوابق مرتفعة على 4 شوارع. قيل لي هناك عدد الموظفين لا يتجاوز 150 موظفا، والمضحك أن المستودعات لها مبنى مستقل. والقسم النسائي مبنى آخر في مكان آخر. والنشاط، والجودة، والصيانة، في مبان مستقلة، أغلبها مستأجر، يقتطع مبالغ ضخمة من الإيرادات. قرأت في هذا الإطار أن نسبة المباني المستأجرة في وزارة التعليم تبلغ 35% من العدد الإجمالي لمبانيها، ولك أن تتخيل حجم النفقات المهول في الباب الثالث من أبواب الموازنة العامة للدولة!
نحن بحاجة لأمرين: الأول خلخلة هذه المباني الأسمنتية، ونقلها من وضعها الحالي إلى مبان اقتصادية عملية تواكب العصر الذي نعيش فيه.
والآخر استفادة مؤسسات الحكومة من مباني بعضها. تستطيع أن تجمع 4 جهات حكومية في مبنى واحد. لو أردت!