قبل عدة سنوات سألت القاضية "جويس هينز جرين" من المحكمة الفيدرالية في واشنطن 3 أسئلة افتراضية لـ"برايان بويل" من وزارة العدل:

1 - ماذا عن سيدة عجوز تعيش في سويسرا وترسل شيكات لما تظنه جمعية خيرية في أفغانستان تساعد الأيتام ولكنها في الحقيقة واجهة لتمويل أنشطة القاعدة؟

2 - ماذا عن شخص يقيم في دبلن بإيرلندا ويقوم بتدريس اللغة الإنجليزية لأي شخص تعرف الـ (سي آي إيه) أنه عضو في القاعدة؟

3 - ماذا عن صحفي في وول ستريت يعمل في أفغانستان ويعرف موقع زعيم القاعدة ولكنه يرفض الإفصاح عنه للحكومة الأميركية في سبيل حماية مصادره؟! ماذا تتوقعون الإجابة؟ أجاب بويل بصورة واضحة بأن "الجيش لديه الصلاحية لاحتجاز كل الثلاثة المذكورين أعلاه على أساس أنهم مقاتلون معادون، مؤثرون على الأمن القومي الأميركي". وهي الكلمة ذاتها التي قررها النائب العام الأميركي في قضية ابننا السجين السعودي "خالد الدوسري" عندما أمر بعدم تقديم الأدلة التي تدين خالد بحجة أنها ستؤثر على الأمن القومي الأميركي قائلا: "نحن لسنا في بلاد العجائب إذ تقول الملكة العقاب أولا ثم المحاكمة".

ولمن لا يعرف خالد أقول هو طالب سعودي مبتعث لدراسة الهندسة الكيميائية تم اعتقاله في السجون الأميركية في 28 فبراير 2011 على خلفية عدد من التهم أبرزها السعي إلى صناعة مواد كيميائية متفجرة والتخطيط لاستهداف محطات للطاقة النووية وسدود مائية، ومحاولة اغتيال جنود أميركيين.. وتقلصت التهم التي وجهت للدوسري إلى تهمة واحدة تتعلق بمحاولة استخدام سلاح دمار شامل، حيث كان يُشتبه بأنه كان يسعى للحصول على مواد كيماوية لصنع قنبلة، والتي رجحت السلطات الأميركية أنه كان يسعى لاستهداف الرئيس السابق بوش الابن، إذ صدر بحقه حكم بالسجن المؤبد، في 13 نوفمبر 2013. ويبدو مما يرد من أخبار أن ابن السعودية "خالد الدوسري" سلخ من أدنى درجات الحقوق الإنسانية: أولا، حبسه الانفرادي لمدة سنتين كاملتين وهو بحالة صحية حرجة نتيجة تعرضه لمعاملة سيئة وعنف من قبل إدارة السجن والعاملين فيه، وهو ما يخالف نصوص اتفاقية مناهضة التعذيب التي صادقت عليها أميركا في 1994. وثانيا، ضمان المحاكمة العادلة الملحقة بحكم منطوق مبرر ومنشور تحترم من خلاله الإدارة الأميركية مبادئ الحقوق الإنسانية المنصوص عليها في المعاهدات الدولية والدستور الأميركي، إذ إن خالد سجن في الأشهر السبعة الأولى دون توجيه تهمة واضحة ومحددة، وكذلك مكوثه في السجن لسنتين من 2011 إلى 2013 دون توفير الضمانات اللازمة للدفاع عن نفسه من قبل محام، حيث صدر قرار السجن المؤبد دون الاستماع لفريق الدفاع، وهو ما يعد انتهاكا للمادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي صادقت عليها أميركا في 1992 وهو الحق في محاكمة عادلة دون تأخير لا مبرر له، وهذا ما أشارت إليه المادة 67 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

وقد يقول قائل إن انتقادك لتلك الإجراءات قد يمثل دفاعا عن الإرهاب والإرهابيين، لكني أقول إننا ضد الإرهاب ونرفضه رفضا قاطعا، وحتى الآن لم تثبت الإدانة ضد "خالد"، كما أن نقد هذه الممارسات إنما هو دعم لسيادة القانون وتثبيت له، فلا يمكن أن تستقيم الدول وتستقر دون سيادة للقانون واحترامه، حيث إن عدة دول غربية وعلى رأسها أميركا إنما ترتكب خرقا فاضحا لقوانينها هي عندما تحتجز أشخاصا لمدد طويلة دون توجيه تهم لهم ودون إعطائهم حق الدفاع عن أنفسهم وتمارس عليهم أشد وأقسى أنواع التعذيب، فالأعداد الكبيرة من الذين تم الإفراج عنهم من معسكر (جوانتانامو) خرجوا لأنهم أبرياء لا شبهة عليهم وتم الاعتداء على بعضهم جنسيا، وتم تدمير بعضهم معنويا وعقليا دون أن توجه لهم تهمة واحدة، فأي مستقبل متوقع لهذا العالم؟

نأمل من السفارة السعودية التحرك لإغلاق هذا الملف والوصول إلى فهم واضح متطابق تماما مع معاهدات حقوق الإنسان لمصير ابن السعودية "خالد الدوسري" إما بضمان محاكمة عادلة علنية وشفافة، وإما بعودته غير المشروطة إلى أرض الوطن إن لم يثبت عليه ما يستوجب المحاكمة أساساً.

أخيرا أقول: "أخطر الإرهاب أن تكافحه بشرعنة انتهاكات حقوق الإنسان"!.