إبراهيم النغيمشي


مما أنعم الله به على بلادنا وجود رجال أخيار يتنافسون في فعل الخيرات كسبا لمرضاة المولى، جل وعلا، وكل واحد يحرص جدا على أن تكون أعماله خفية ولا يسمح إطلاقا لأحد أن يتحدث عنها، لكن أرى من الواجب أن تنشر بعد مماتهم لتكون نبراسا للأجيال بعدهم. ومن أولئك الرجال الأفذاذ الوالد الشيخ سليمان بن محمد الرشيد، رحمه الله.

نعم لم أتشرف باللقاء به إلا بضع مرات قليلة، لكن سبرت من خلالها بعضا من طريقته في الأعمال الخيرية ما يصلح أن يكون أسسا في العمل الخيري، منها:

- حرصه التام وتدقيقه الشديد على معرفة القائمين على العمل الخيري ومدى استحقاقهم للثقة، فإذا تأكد ذلك أصبحت يده مبسوطة لدعمهم في عملهم وتشجيعهم فوق ما كانوا يؤملون.

- حرصه الشديد على أن يكون العمل الخيري ذا نفع مباشر أو مستمر لأصحاب الحاجات، فإذا تأكد من ذلك ومن القائمين عليه تجده مقداما ومنافسا للتكفل به جميعا مهما كانت تكاليفه. أذكر أنه لما زار -رحمه الله- منطقة أتشيه في الأسبوع الأول من حادثة تسونامي وسمع عن حرص بعض الجمعيات الغربية على كفالة الأطفال اليتامى بالمنطقة قال للوزير الإندونيسي المسؤول عن إدارة الأزمة خلال لقائه إنه مستعد لكفالة جميع الأطفال اليتامى مهما بلغ عددهم حتى وإن تجاوزوا عشرين ألفا، وإنه مستعد أن يؤمن لهم السكن والإعاشة والدراسة وجميع مصروفاتهم حتى تخرجهم من الثانوية العامة شريطة أن يكون ذلك خارج منطقة المصيبة خوفا عليهم.

- من منهجه المسارعة إلى إغاثة المنكوبين. ففي حادثة تسونامي اتصل عليّ في الأيام الثلاثة الأولى من الحادثة مفيدا بأنه سيقدم لمواساة المنكوبين مع أن عمره في ذلك الوقت جاوز 85 عاما. كما أنه مبادر عند النكابات فإنه كان -رحمه الله- مبادرا لتلمس حاجات الفقراء، أذكر أنه أيام عملي في الشؤون الدينية في سجون الشرقية كان دائما يطلب أسماء أسر السجناء ويخصص لهم المساعدات.

- اهتمامه البالغ أن يتولى العمل بنفسه رغبة في الأجر، رغم كبر سنه كما اتضح فيما مضى. فإذا وثق بالقائمين على العمل الخيري فإنه يوكل لهم المهمات للمساعدات التي يرى تقديمها في مناطقهم، فيبادر بالاتصال بهم لأجل ذلك.

- حرصه في النكبات الكبيرة أن تكون مساعداته نقدية فقط يسلمها للمحتاجين مباشرة. ففي حادثة تسونامي وزلزال باكستان كانت هذه طريقته. وعندما سأله أحد مرافقيه: يا شيخ سليمان، ألا ترى نشتري مواد إغاثية لتوزع، قال: لا، إنما نسلمهم نقدا، فهناك نساء لها حاجات خاصة ربما لا توفرها الحملات الإغاثية، كما أن المبلغ النقدي يساعد رب الأسرة على البدء في إعادة إصلاح منزله أو أن يستخدمه لأمر ضروري يعينه على الخروج من مصيبته أو التعفف منها على الأقل.

- حرصه الشديد على التخفي في العمل. حاول الإعلام الإندونيسي أن يظفر بلقاء أو تصريح أو تصوير لفضيلته -رحمه الله- فكان يرفض رفضا مطلقا ويمنعهم من أي تصوير وهو يقدم المساعدات.

وكما أنه لا يجامل في تقديم المساعدة، فإنه لا يجامل إطلاقا في توضيح مدى الحاجة والأولوية للمسؤولين، وقد أسرّ لي -رحمه الله- أنه في إحدى زيارات الأمير سلطان -رحمه الله- للمنطقة الشرقية ولقائه برجالها أنه أوضح للأمير مدى حاجة بعض قرى المنطقة إلى مزيد من الاهتمام في التنمية، وأنها أولى من غيرها في ذلك، لأن الخيرات تخرج منها أو قربها، فسر الأمير -رحمه الله- جدا بكلامه وأعجب به وأدناه في مجلسه.

وفي الختام أسأل الله أن يغفر لشيخنا، وأن يرفع درجته في عليين، وأن يبارك في عقبه، إنه سميع مجيب.