شهلاء المالكي


ما زال الحديث عن الحروب العالمية التي غيرت العالم مستمرًا، فعلى مر الزمان شغلت الحروب الوقت، التفكير، القادة العسكريين، المفكرين، الفلاسفة، العلماء وعامة الناس لكونها نزاعا يتضمن استخداما للأسلحة والأدوات فتؤثر فيهم ويؤثرون فيها.

وحسب التقديرات في القرن العشرين مات ما يقارب 167 إلى 188 مليون شخص نتيجة الحروب، وهذه التقديرات لا تتضمن الجرحى، المرضى...إلخ.

ولقد تنوعت أساليب الحرب ابتداءً باليدين مرورًا بالأسلحة ذات المسافة القريبة ثم الأسلحة ذات المسافة البعيدة والدعمين الجوي والبحري، وصولًا للأقمار الصناعية وصواريخ الأرض والجو.

وفي تساؤل الفيزيائي الشهير ألبرت اينشتاين عن سلاح الإنسان في الحرب العالمية الثالثة قال: (أنا لا أعرف السلاح الذي سيستخدمه الإنسان في الحرب العالمية الثالثة لكنني أعرف أنه سيستخدم العصا والحجارة في الحرب العالمية الرابعة)!

ولكن آينشتاين كان مخطئا، ففي الحرب العالمية الثالثة لم يستخدم الإنسان الأدوات واعتمد على فكره، لقد كانت الحرب العالمية الثالثة حربًا عالمية فكرية!

وتعد الحروب الفكرية أخطر وأقسى أنواع الحروب لأنها تستهدف العقل الذي هو مركز الأوامر، فهي الحرب الصامتة التي تنزف فيها العقول ويُقْتل الإبداع، ويغتال الفكر، شعارها سحقًا للناجحين، هي حقًا حرب مدمرة!

أما عن استمراريتها فما زال الإنسان يتعرض في الوقت الحاضر لحروب فكرية بمختلف أنواعها كما تعرض لها في الماضي وتستهدف الحروب الفكرية الناجحين فكريًا، أما من يشنها فأقل ما يمكن وصفهم به أنهم شخصيات هدامة قتالية تتعامل كأنها المطرقة وكل من حولها مسمار، هم أناس يجهلون مقولة "ليس من الضروري أن تطفئ أنوار الآخرين لتجعل نورك يضيء فقد تجد متعة في إحباط الآخرين، بإشهار أخطائهم، والتذكير بعثراتهم ولكنك ستجد متعة أكثر وأطول لو اعتنيت بجوانب قوتهم وإمكاناتهم وصواباتهم"!

فمن هو المقاتل المغوار الذي يستطيع الصمود إثر الحروب الفكرية؟

ذكر في كتاب (شكرًا أيها الأعداء): "اكتشفت أن حس المعركة هو المفتاح السحري الذي بمقدوره تشغيل نظام الفكر والعمل لدى الجمهور الأعظم من الناس".

ويقول أيضا في لفتة مهمة: "يأسى المرء لمعركة يقضي فيها حياته تنتهي دون نصر أو هزيمة كما يأسى لأخرى تستنفذ عمره وتنتهي بهزيمة وثالثة تنتهي بانتصاره على أخيه، إن المعركة الحقيقية هي معركة الانتصار على النفس".

أخيرًا إن لأي حرب فكرية خيارين: إما أن تصنع عقولا مفكرة أو تهدم العقول المفكرة.

بالأمس واليوم وغدًا حروبٌ فكرية لا يبقى خلفها إلا نيرانها التي إما أن تضيء العالم أو تستمر في إحراقه.