أعمل اليوم معلما في المدرسة نفسها التي كنت أدرس فيها قبل ثلاثة عقود، كل شيء في المدرسة تغير إلى الأفضل، فالمبنى من المباني الحديثة التي صممتها وزارة التعليم، والسبورة أصبحت ذكية، وصار لدى كل معلم قاعته الخاصة التي تحوي جهاز كمبيوتر، وجهاز عرض، كذلك أصبحت المختبرات أكبر وأفضل، رغم تحويلها في بعض المدارس إلى مصلى كما حدث لمختبر الأحياء في مدرستنا، وكل هذا شيء جميل في جسد المدرسة، ولكن روح المدرسة والمتمثل في المكتبة المدرسية أصبحت حطاما، حزينة في مستودع مصادر التعلم، وهي تحتضر الآن، إذ دمجت المكتبة مع مصادر التعلم التي هي عبارة عن جهاز كمبيوتر للدخول على الإنترنت، ولا تمد الطالب أو المعلم بأي ثقافة، وإنما هي وسيلة للحصول على المعلومة بأسرع وقت، وهذا جيد ومطلب، ولكن ليس على حساب الكتاب، لأن الكتاب هو من يمنح الثقافة والعلم، وليس صحيحا أن عصر الكتاب الورقي في نهايته، إذ كتبت قناة DW الألمانية على موقعها "يعدّ سوق الكتب أكبر قطاع ترفيهي في ألمانيا، وثاني قطاع في العالم بما يحققه من مبيعات تصل إلى 9,5 مليارات يورو سنويا. ما زالت الكتب تحقق أرباحا أكثر من الأفلام والموسيقى والألعاب"، وهذا دليل أن الكتاب ما زال له قيمته عند الأمم المتقدمة، ولكن لماذا أصبح وضع الكتاب عندنا بهذا السوء؟ خصوصا المكتبة المدرسية التي هي أول الطريق لعلاقة الإنسان بالكتاب والمعرفة.

كنا في الماضي نتلهف لدخول مكتبة المدرسة، وعندما يقرر المدرس أن تكون الحصة في المكتبة، لا تجد أحدا يتذمر أو يتأفف، بل على العكس يكون الجميع مع هذا القرار، وكان نصيب الأسد من وقت الفسحة يذهب للمكتبة، والحقيقة أن المكتبة كانت جاذبة وتدفع الطالب لزيارتها، إذ كانت واجهة المدرسة وتتمتع بأجمل القاعات.

عملت مسابقة بعنوان "خير جليس" وفوجئت بأن معظم الطلاب لا يعلم أن في المدرسة مكتبة، وربما معهم الحق، إذ إن المستودع لا يعقل أن يكون مكتبة، فهل من منقذ يا وزارة التعليم؟!