من الطبيعي أنه لكل دولة خصوصية في شؤونها، ومن ذلك طريقة إدارة الحكم فيها كحق سيادي، وبما أن وطننا العزيز يطبق الإسلام بعقيدته وشريعته وأخلاقه وسلوكه ومنهج حياته بقيادة ولي أمرنا وصاحب بيعتنا خادم الحرمين الشريفين الملك الحازم سلمان -أيده الله- ابن مؤسس دولة الإسلام (المملكة العربية السعودية) الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه-، فمن الطبيعي أن تكون الإرادة السياسية للملك هي الوحيدة التي تنطلق منها كل الإرادات لنوابه في جميع السلطات الثلاث، بما فيها من وزارات وأجهزة حكومية وإمارات ومحافظات وسفارات في الخارج، والجميع ينطلق من إرادة الملك لكونه في الإسلام صاحب البيعة الوحيد واجب السمع والطاعة بالمعروف، وليس مثل الدول غير الإسلامية التي يتعدد فيها صاحب القرار الأول، حيث تجد للدولة ثلاثة رؤوس تقودها وربما أربعة وأكثر، فتجد في الدول الديمقراطية أن السلطة التشريعية سيدة قرارها وتصدر القوانين التي تفرضها حتى على رئيس الدولة، كما أن السلطة القضائية تملك حتى عزل رئيس الدولة، فضلا عن إمكانية رئيس السلطة التنفيذية (الحكومة) في بعض الدول فرض قراره على رئيس الدولة، وفي الدول غير الديمقراطية، لا سيما العسكرية قد يملك رئيس الجيش بشكل أو بآخر فرض قراره على رئيس الدولة، وهذه الفوضى السياسية بمرجعية القرار الأول جعلت كثيرا من هذه الدول في صراعات داخلية وأحيانا دموية، فضلا عن ابتزازات ومساومات ومحسوبيات وفساد بين هذه المرجعيات على حساب المصلحة العامة لتلك الأوطان ومواطنيها.

ولكن في "منهج الدولة في الإسلام" لا توجد كل هذه الفوضوية، فصاحب القرار هو واحد لا سواه، وهو منشأ جميع السلطات الثلاث، وبالتالي فالتشريعي لا يملك إصدار القوانين إلا كمقترح يقدمه لولي الأمر الأوحد، كما أن القاضي الأصلي هو ولي الأمر نفسه وبقية القضاة نوابه يأخذون ولايتهم من ولاية صاحب البيعة الأوحد، وكذلك في باقي السلطات التنفيذية المدنية والعسكرية، ولذا استقرت الدول التي تطبق المنهج الإسلامي ولم تحدث فيها منازعات وانقلابات وفوضى سياسية، والدولة السعودية نموذج موفق وراشد على هذا المنهج السماوي الحكيم.

وبناء على كون ولي الأمر هو المرجع الوحيد لكل السلطات والولايات والإرادات فلذا صارت مسؤوليته أعظم والمطلوب منه أكبر لإدارة شؤون الحكم، حيث لا تتحمل جميع السلطات المسؤولية ما لم يمنحها هذا الحق، ولذا نجد أن الأحكام القضائية بدرجاتها الثلاث إذا انتهت فتتوقف على أمر ولي الأمر بالتنفيذ، لكونه في الإسلام منشأ هذه الولاية وغيرها، وهو الذي يقرر إمضاءها من عدمها حسب المصلحة العامة للبلاد والعباد، ويملك العفو في التعازير دون الحدود، كما يملك توقيت التنفيذ وطريقته، وهكذا التقنين والتنفيذ ونحوهما.

وعليه فإن أي ملف وطني لا يملك قرار حله إلا ولي الأمر، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر، ملف الإسكان حيث بقي ضعيف الأداء، لكونه يمر بعقبات إما داخل الوزارة بسبب سوء الإدارة وربما الفساد، وإما خارج الوزارة بسبب معوقات جهات أخرى مثل وزارات البلديات والمالية وغيرهما، فضلا عن التشريعية التي يجب عليها سرعة فرض القوانين اللازمة كنظام جباية الزكاة ونظام فرض الرسوم على الأراضي البيضاء، حيث نجد الأول حبيس الأدراج منذ قرابة السنتين في مجلس الوزراء كسلطة تنظيمية (تشريعية) بعد صدوره من مجلس الشورى كشريك مفترض للسلطة التشريعية، في حين أن الإرادة السياسية أنهت مشروع نظام فرض الرسوم على الأراضي خلال شهرين (دون إعادة عرضه على مجلس هيئة كبار العلماء الذي سبق له القرار قديما بحرمة فرضها لظروف سابقة مختلفة عن ظروف اليوم)، منها شهر لمجلس الشورى، حيث أنهاه بسرعة وجودة فائقتين ثم بعد إعادته إلى مجلس الوزراء صدر خلال أقل من أسبوع ثم نشر في الجريدة الرسمية (أم القرى) خلال أسبوعين، وسيبدأ سريانه من غرة رمضان العام الحالي، في حين أن مشروع نظام جباية الزكاة الذي يتضمن الزكاة على الأراضي لا يزال منذ قرابة السنتين صادرا من مجلس الشورى لمجلس الوزراء ولم ير النور حتى الآن مع سابق تصريح إعلامي في العام الماضي لوزير المالية بقرب صدوره وما زال، مما يعني أن الإرادة السياسية هي التي تقرر حسم وسرعة إصدار الأنظمة والتشريعات وحتى مخرجات جميع السلطات، وبالتالي فتتركز المسؤولية الأولى والكبرى على الإرادة السياسية لحل جميع الملفات، وتذليل جميع العقبات، لأنها الإرادة الوحيدة التي تدير الدولة، وبالتالي هي الإرادة الوحيدة التي نتطلع منها إلى التعامل مع جميع الملفات بنفس الحزم الذي تم مع فرض الرسوم على الأراضي، وكذلك الحزم في الملفات الداخلية كملف مكافحة الإرهاب وتنفيذ الأحكام القضائية الأخيرة في 47 إرهابيا دفعة واحدة، وكذلك في الملفات الخارجية كملف اليمن، حيث عاصفة الحزم وإعادة الأمل، ثم أخيرا الموقف الحازم من دولة العدو الصفوي (إيران)، حيث انتظرنا هذا الموقف منذ 1979 حين قامت الثورة الصفوية وبدأت بتصديرها والاعتداء على ديننا وعروبتنا وأوطاننا، ونتمنى استمرار الحزم في كل ملفاتنا الداخلية والخارجية.

ومن ضمن الملفات التي تحتاج إلى حزم ملف مكافحة الفساد عبر سرعة تطوير هيئته ودمجها بالأجهزة الحكومية ذات الصلة، كهيئة الرقابة والتحقيق وديوان المراقبة العامة واختصاص المباحث الإدارية، وإلا فتلغى هذه الهيئة ويحتفظ بميزانيتها لدى بيت مال الوطن ما دام هذا واقعها الضعيف ومنتجها الهزيل.