بعيدا عن: "إيه يرضينا"، وعن الصراعات التيارية كلها، وبحثا عن سلام، وفرارا من التوتّر والشحناء وأسبابهما، اخترتُ الكتابةَ عن الجَمال من خلال ديوانٍ فريد، هو ديوان: "ظلي يشبهني"، الصادر سنة 1422، لعائض علي القرني.
لا أعرف القرني معرفة شخصية، ولم أقرأ له سوى هذا الديوان، فوجدت تجربته تستحق الالتفات؛ لأنها تجمع نقيضين نظنهما لا يلتقيان؛ فهو مجدد ظاهر التجديد في بعض قصائده، ومقلد واضح التقليد في أخرى، وذلك يعني أنه ينظر إلى القصيدة بوصفها بوحا وتعبيرا وإرضاءً للذات، دون النظر إلى كونها "متكلسة"، كما يقول المجددون عن قصائد المقلدين، أو "منفلتة. غامضة. رمزية" كما يقول المقلدون عن قصائد المجددين.
القصيدة عنده تأتي – أحيانا – تقليدية إلى حد ختْمها بالدعاء، كما هو الحال عند التقليديين الموغلين في التقليد، وهو دعاء لا يتجاوز فيه السابقين، بل إن معناه مكرر في كثير من المراثي التقليدية، وهو بكاء الأحياء والجمادات ودعاؤها للمُتوفى. يقول في خاتمة قصيدة رثى بها الأمير فهد بن سلمان:
يَا رَحْمَةَ اللهِ حُفِّيْ قَبْرَ صَاحِبِنَا
يَقُولُها الطَّيرُ والإنسَانُ والشّجَرُ
وقد يكون العنوان – عنده – تقريريا مباشرا خاليا من الصورة، ومن التركيب الفجائي، ومن أي إيحاءات وظلال، حتى إن عنوان إحدى قصائده، هو: "رياض الفكر وعاصمة الثقافة"، وهو مختلف في النوع والأثر عن عنوان الديوان، وهو: "ظلي يشبهني"، الذي يأخذ الذهن إلى منطقة التأمل الخيالية أخذا لينا وشاعريا.
وعلى النقيض من الخاتمة الدعائية، والعنوان التقريري، نجد له أبياتا أو نصوصا تذهب إلى المدى الأبعد في التجديد، ومن ذلك أن تكون الصورة الشعرية قائمة على ما يُعرف عند البلاغيين بـ"تراسل الحواس"، لكنه ليس تبادلا بسيطا أو يسيرا، بل إن الصفة المتبادلة قد تكون غير محسوسة، كنسبة الذكاء إلى الغيم، في قوله:
رأيتُكِ نَجْمَةً يَختالُ فيها
ذكاءُ الغيمِ في الزّمن اليَبوسِ
فالذكاء غير مُدرك بأيٍ من الحواس المعروفة، بل إنه يحتاج إلى اختبارات لمعرفة درجته، وقد أضافه الشاعر إلى الغيم إضافة نِسْبة، في صورة تتعدد احتمالات المراد منها، وتثير الأسئلة؛ ذلك أنه جمع بين محسوسين سماويين، هما: النجمة، والغيم، ونسَب الذكاء إلى الغيم، في حال مخصوصة، وهي وقت الجدب، فهل تلك التي رأى الشاعرُ ذكاءَ الغيم يختال فيها، تتخير مكان إمطارِها، لكونها ذكية؟
والقرني يذهب إلى موضوع الحنين إلى الزمن الماضي، وأيام الطفولة، عبر طريق مغايرة، وذلك من خلال الإصرار على النسيان، يأساً من عودة الذكريات في ظل التحولات، واختلاف الناس والأماكن، فهي جمال فائت، لم يعد استحضارُه ممكناً، ولذا يكون التأكيد على نسيانها محاولةً للخلاص من ذكراها التي تصير ألماً، يقول:
سوفَ أَنسى الجدارَ
الذي كانَ يَشْتل
ذاكِرةَ الحُب والذكرياتْ
سوفَ أَنسى الورودَ
التي كانَ يقطِفُها العِشْقُ
في لَهْفَةِ الأُمنيَاتْ
سوفَ أَنسى
وأَنسى
وأنسى
وإياكَ يا قلبُ تشتشعرُ الحبَّ
أو أنْ تُحسْ
وهو لا يقف في التجديد عند الصورة والتركيب وتناول الفكرة عن طريق مغايرة، بل إنه يستثمر التشكيل البصري بطريقة تدعم فكرة النسيان، ولذا حمَل تكرار الفعل: "أنسى"، والشكل البصري الذي رُسم به، دلالةً إضافية على إصراره على نسيان ذكريات ذلك الحب كلها.