يُعد مصطلح الهوية من أكثر المصطلحات المختلف حولها، والتي لا ينبغي تقييدها في تعريف محدد أو عسفها باتجاه واحد. هذه الإشكالية حول الهويات تمتد عبر التاريخ في صور متعددة، ونلاحظ أن أغلب الصراعات الاجتماعية والسياسية والدينية تدور حول هذا المحور واختلافاته. بالمجمل فإن الهوية للفرد هي صورة من السمات والخصائص الذاتية التي تميزه عن غيره ويجد من خلالها وسيلة خاصة للتفاعل مع محيطه ومجتمعه.

في محاولات البشر للبحث عن صورة واضحة للذات، تشكلت عبر التاريخ بعض التيارات والحركات والأحزاب التي ينتمون إليها حسب القناعة أو حسب الحراك الجمعي المسيطر عليهم. ولعل القومية العربية أو ما عرف في الخمسينات والستينات الماضية "بالناصرية" وما يتشعب منها من تيارات فكرية مختلفة، أكثر النماذج العربية من التيارات وضوحا بعد انهيار الخلافة العثمانية. وقد لاقت هذه الحركة رواجا كبيرا في حينها، سواء في بلد منشئها مصر أو في بقية البلدان العربية. وبسبب الأهداف التي تقوم عليها هذه الحركة والإنجازات التي حققتها وقتها فإن شعبيتها اتسعت كثيرا ووجد الشباب العربي فيها صورة مشرقة لهوية يفاخرون بالانتساب لها ولو شكليا ويتحمسون للانضواء تحتها. أعقب هذا الحراك القومي العربي حراك آخر قد يعتبر "مضادا" في بعض أفكاره وهو الحراك "الإسلامي" وما تفرع منه من تيارات فكرية أخرى دعت إلى أن تكون الوحدة إسلامية لا عربية لاتساع "هويتها" ورحابة مفهومها الذي تضيق عنه "العروبية".

في صراع التيارات هذا، تشكلت عدة هويات متشعبة ينافح عنها المنتمون لها، تدخل ضمنها دوائر مختلفة ومتعددة لتيارات أصغر. وفي سبيل أن تثبت كل واحدة من هذه الحركات والتيارات الفكرية والتيارات المضادة لها أنها الأفضل، كان حجم الصراع يكبر، ويخرج عن حدود الاقتتال الفكري غير الناضج لإرهاب حقيقي خاصة مع دخول تيارات وأفكار أخرى مأخوذة من التجارب الغربية الحديثة.

في المملكة العربية السعودية تكاد فكرة الهوية تكون ملتبسة وغير واضحة بالرغم من الإجماع الذي قد يجيب به المواطنون عند سؤالهم عن هويتهم، ففي الغالب سيقال: هوية إسلامية عربية. ولكن مع التعمق أكثر في واقع المجتمع السعودي نلحظ أنه ليس إسلاميا عربيا فحسب، بل إنه يبالغ في تصنيف أفراده وفقا لسياقات وأنماط متعددة متعارف عليها. فنستطيع القول عن فرد سعودي إن أردنا تحديد هويته وتصنيفه، وبالطريقة التي اتبعها المفكر أمارتيا سن، فإن (س) من الناس هو شخص مسلم، عربي، سعودي، من أصول قبلية معينة، سني المذهب، رجل، يتبنى فكرا ليبراليا، ناشط اجتماعي، نباتي، مختص في القانون، محب للموسيقى، مؤمن بحقوق الأقليات... إلخ، وبنفينا لإحدى تلك الهويات عنه لا يعني عدم وجودها فيه أو أنها لا تؤثر في سماته الشخصية ولا في علاقاته مع من حوله، وهكذا فإن كل فرد فينا يحمل عدة هويات داخله، تتباين في قوة ظهورها وسيطرتها عليه ولا يناقض بعضها بعضا بالضرورة.

أمام هذه الحقيقة من تعدد الهويات داخل الفرد وبالتالي داخل المجتمع، نلاحظ أن التباين في الهويات لم يؤد إلى تعددية تتسع معها، بل إن الصراع قائم ليثبت كل تيار أنه صاحب الأفضلية على الآخر. فبالعودة إلى نموذجنا أعلاه نجد صراعا معلنا أو خفيا بين الرجل والمرأة، الليبرالي والإسلامي، السني والشيعي، وهكذا، يحاول أن يسيطر أحدهما على الآخر ويدعي الأحقية في الغلبة والقوة والهيمنة على المجتمع. هذا الصراع يمتد إلى خارج الحدود لو أردنا أن نتوسع فيه في نموذج الوطن، والدين، واللغة. خلقت هذه المحاولات لفرض السيطرة وتأكيد الأفضلية نوعا من الاقتتال والعنف بين الهويات المختلفة. بل إن السياق الجمعي لهوية ما، أصبح يبرر مثل هذا العنف والاقتتال والإرهاب ويخلق له أسبابا مقنعة يدافع عنه بمقتضاها.

لو عدنا بالتاريخ إلى بدايات الإسلام وعصره الذهبي الذي بدأ من بعد هجرة الرسول عليه الصلاة السلام إلى المدينة وتأسيسه لدولة مدنية متحضرة بعد كتابة "وثيقة المدينة" التي تحدثت عنها في مقال سابق، نجد أن المسلمين انطلقوا في العالم مؤسسين لحضارة إسلامية لا تخفى على أحد، شملت مختلف العلوم والفنون التي برع فيها المسلمون ووصلوا فيها إلى مستويات عالية من المهارة والدقة والتفاني، متبعين الأساليب العلمية والعمل المؤسساتي. هذه الحضارة والعلوم استفاد منها الغرب لاحقا وأقام على أنقاضها عصر نهضته الحديثة. فعندما استوى هذا التقدم المعرفي والاجتماعي والسياسي للمسلمين وقام على سوقه، هبت عليه رياح الضعف والهوان حتى انتكس وتلاشى وعاد المسلمون إلى المربع الأول من الإفلاس العلمي والفكري والانقسام السياسي والاجتماعي وغرقوا في عصور من الجهل والتخلف والاقتتال. وما كانت هذه الحضارة لتتسع وتنتشر وتقوى لولا أن الأفراد داخلها امتازوا بالتعدد والتنوع في هوياتهم وأفكارهم ووجدوا تقبلا وتفاعلا بين بعضهم البعض، فالعالم الأعجمي لا يختلف عن العربي في شيء ولا يرفضه الأخير أو يقصيه، والمفكرون من المعتزلة والأشاعرة وباقي المدارس يأخذون ويردون على بعضهم بعضا حتى ازدهرت الفلسفة وعلومها، والمسلمون يتعايشون مع غير المسلمين في كافة شؤونهم. وحينما حدث العكس، وسيَس الدين، وكثر الصراع لإثبات الأفضلية ومحاولة عزل من لا يتفقون معهم، تقوقعت هذه الحضارة وانحسرت حتى تلاشت. وبقيت الصراعات بين الهويات المختلفة تؤجج نار الحروب الأهلية والطائفية والقبلية وغيرها، حتى يومنا هذا. لذا فإن الطريق للخروج من العنف والإرهاب الذي يحيق بالعالم هو تبني فكرة الانفتاح على الآخرين بمختلف هوياتهم وانتماءاتهم والاستفادة من هذا التنوع والتعدد في بناء عالم مسالم ومتحضر.