عندما اتفق كهنة اليهود مع تلميذ المسيح عليه السلام (يهوذا الإسخريوطي) على خيانته، قال لهم إن إشارتي لكم لتعلموا من هو المسيح من بين تلاميذه أني سأقبّله. الغريب أن القُبلة بعد ذلك لعبت دورا دينيا بين رجال الدين "المسيحيين" والناس حتى سميت القبلة المقدسة، وفيها يقبل رجل الدين أتباعه رجالا ونساء وأطفالا على شفاههم كتقليد ديني في الكنيسة الشرقية خاصة.
في مذهب خامنئي توجد القبلة نفسها والتي يبدو أنها مهمة جدا لدى خامنئي فتشاهده في آلاف المشاهد اليوتيوبية وهو يسحب الرجال والنساء والأطفال؛ ليهبهم بركة قبلته "الفرنسية" أعني المقدسة. من ضمن هذه المشاهد مشهد سيئ جدا ليس فقط لأن هذا الرجل الذي شارف على التسعين يقبل فيه طفلة في الثالثة كأنه يقبل زوجته، بل لأن الأم جلست بالقرب بوجه بارد خال من أدنى درجات الحس، كأن ما حدث لم يحدث أو كأنها مخلوق مسلوب الإرادة وليست أمًّا مكلفة من الله -عز وجل- بحماية طفلتها اليتيمة، خاصة من اعتداء جنسي كهذا.
في الواقع هذه الأم مسلوبة الإرادة مثلها آلاف العرب الذين خربوا بلادهم بأيديهم استجابة لملالي طهران، فها هي البحرين تكتشف كميات هائلة من المتفجرات تكفي، كما قال المتحدث البحريني، لإزالة المنامة، وها هي الكويت قبلها تكتشف أسلحة جيش كامل من جواسيس الفرس وخونة الوطن.
هناك سؤال جدير بالبحث عن إجابة له: لماذا حدث هذا؟ لماذا انساق العرب -خاصة الخليجيين- لكذبة إيران المنقذ وإيران القائد، بينما لا يطيق شخص واحد منهم أن يعيش في طهران ولو لأسبوع واحد بكل تخلفها المعماري والفقر في شوارعها والحريات المصادرة مقارنة ببلاد كالبحرين أو الكويت؟
الإجابة عن هكذا سؤال تحتاج إلى كثير من الاهتمام من دولنا الخليجية، ولا بد أن يكون ذلك أولوية حتى قبل متابعة المشتبه بهم، أو تكثيف المراقبة أو أي إجراء أمني مهم؛ لأن الإجابة هي فقط من سيحل مشكلتنا قبل تفاقمها أكثر. يجب أن نبحث عن مسببات انجذاب هؤلاء للمشروع الإيراني، وربما أحدها هو أن هناك حراكا لم ندركه تم لتسويق هذا المشروع من حولنا، فيما لم نكن على وعي بذلك.
حضرت قبل أسبوع ندوة أعدت لتكريم المبتعثين الخليجيين، خلال الندوة تحدث الدكتور محمد المسفر -وهو أستاذ قطري معروف- وبحسب ما ذكر كان زميلا للمفاوضين الإيرانيين في الاتفاق النووي، انطلق الرجل يثني على قدرات إيران وأسلحتها وتطورها والاتفاق العظيم الذي انتزعته إيران.
مهما كان دافع الدكتور لما قاله فهذا بلغة "البزنس" تسويق لكنه لحسن الحظ تسويق فاشل جدا؛ لأن الحاضرين كانوا كلهم يجيدون الإنجليزية، ويتابعون الحدث ويستمعون إلى محللين ليس من السهل شراؤهم، كبعض المحللين، وهم أيضا تعلموا في الجامعات البريطانية كيف لا يصدقون جملا ترويعية، كجمل الدكتور عن صواريخ إيران التي تصل إلى ثلاثة آلاف كيلومتر، بل منهم طلاب دكتوراه في تخصصات لها علاقة بالأسلحة النووية، والأقل ثقافة منهم يعلم أن السلاح النووي الإيراني لو أنتج لن تستطيع إيران استعماله ضد أي جار، ولا حتى إسرائيل وإلا تأثرت طهران.
هذا المديح المبطن لإيران هو ما يؤثر على بعض الجماهير العربية، ولحسن الحظ استيقظت جماهير العراق بعد أن سرق نفطها لتمويل مشروعات إيران الإجرامية، وها هم أبناء كربلاء ينادون بطرد المحتل، لكن ما حدث خلال العشر سنوات الأخيرة صعب أن يتم اجتثاثه بصيحات "عمي يا سراق النفط".
محمد المسفر مجرد نموذج لبعض من يعجبهم تحجيم إنجازات دولنا مقابل المنجز الإيراني الذي لم يعد سرا انتهاكه لحقوق الإنسان وانغماسه في التخلف والإجرام.
مشروعنا الخليجي ماض نحو مستقبله المشرق، ونحن متأكدون من ذلك لكنه بحاجة إلى الحديث عنه. إن الحصانة ضد العدوى بالإجرام والخديعة الإيرانية تحتاج إلى صوت قوي ومؤثر يرد على أبواق إيران مهما كانت نيتهم وغاياتهم؛ لأن بلادنا فيها من البسطاء الذين يصدقون كل ما يقال عنهم حتى ولو شاهدوا خردة إيران المسماة أسلحة، والتي كانت نكتة في بعض المواقع الإخبارية التي يبدو أن محمد المسفر لا يتابعها.