الإنسان كائن معيب معتل ناقص، خلقه الله ليستغفر ويتوب وينوب، ليُذنِب ثم يستشعر مرارة الذنب، ولو كان الإنسان بغير هذه الصفات لصافحته الملائكة في الطرقات، لو أننا لا نُذنِب، لو أننا لا نفعل إلا التعبد في المحاريب والصلاة طيلة الوقت، لو أن ألسنتنا لا تنطق إلا بالتسبيح والتهليل والاستغفار، لو أننا لا نعصي أبدا لذهب الله بنا وجاء بقومٍ يُذنِبون.

هذا هو الإنسان، وسيفشل كل من لا يرضى بأن يكون هذا الإنسان بكل علاته، سيفشل من ينحدر إلى مستوى الشيطان، وسيفشل من يتوهم أنه سيصل إلى منزلة الملائكة، إلا أن الحديث هنا ليس عن هؤلاء الذين يدعون "الملائكية" ولا عن شياطين الإنس، الحديث هنا عن أناس يتمرغون في الوحل ويتربعون فيه، ثم يلعنون من تزل به قدمه وإن سها وغفل، هؤلاء هم "المستشرفون".

والمستشرفون هم جماعة من البشر يمارسون طبائعهم البشرية كما يحلو لهم، وفي الوقت نفسه يرفضون ممارسة الآخرين لبشريتهم، بمعنى أنهم يذنبون ويستحقرون رؤية غيرهم يُذنِب، يحثون على مكارم الأخلاق وهم غرقى الانحلال؛ لهذا نجدهم يحثون على مكارم الأخلاق بأقبح الألفاظ! الفرق بينهم وبين جماعة "أحب الصالحين ولست منهم" أن المستشرفين لا يحبون الصالحين إنما يكرهون رؤية انعكاسهم على الآخرين.

إنهم أدعياء شرف افتراضي، شرف لا وجود له على أرض واقعهم، يستخدمون الشرف كخرقة كل مهمتها تنظيف السطح وتلميعه، قد تجد أحدهم يضع السماعة على أذنيه رافعا صوت الأغاني وفي نفس الوقت يرسل رسائل عبر مواقع التواصل بحرمانية سماع الأغاني، وقد يشتم ويلعن من يستمع للأغاني دون أن يزيل السماعة عن أذنيه، كل هذا ولا يشعر أبدا بأنه متناقض! مشكلة "المستشرف" ليست في أنه لا يدرك أنه يرتكب ذنبا، مشكلته أنه يستغفر عن ذنبه بشتم الآخرين ولعنهم.

إنهم ظاهرة تستحق أن يفرد لها المختصون الاجتماعيون وأطباء النفس بحوثا ودراسات، إنهم مادة دسمة للطب النفسي، كلامهم دائما نقيض أفعالهم، تصرفاتهم على العكس تماما من النصائح والحكم التي ينطقون بها، كل شيء حولهم يجعلهم عرضة لصراع نفسي رهيب، رغم هذا نجدهم مطمئنين إلى أنهم بشر أسوياء!

تجد أحدهم يسافر شرقا وغربا، ولا يطأ مكانا في هذا العالم إلا ويبحث ويستفسر عن أماكن المتعة و"اللذة"، فإن عاد أخذ يُفتي بحرمانية الاختلاط، وينصح بوجوب إخلاص الزوج للزوجة! وليست هنا الإشكالية، الإشكالية أنه إن سافر بعد هذه النصائح والفتاوى، فسيباشر فورا بزيارة، ثم يعود ليبدأ من جديد في الاستغفار عن طريق الشتم والصراخ في وجه من لا يقول بحرمانية الاختلاط!

إنهم أحد إفرازات المجتمع الوعظي، المجتمع الذي تُطرِبه عملية الدغدغة الدينية، المجتمع الذي لا يهتم أن يلهف أحدهم رشوة بالملايين طالما هو ينصح بالأمانة والوفاء، لا يرى بأسا أن يغرق الإنسان في الرذائل طالما يرفع الشعارات المطلوبة للحفاظ على الشكل المحدد للمجتمع.

مر الحسن البصري على مطرف بن عبدالله وهو في أصحابه فقال له: عِظهم، فقال مطرف: أخشى أن أقول ما لا أفعل، فقال الحسن: وأينا يقول ما يفعل؟! ودّ الشيطان لو ظفر منكم بهذه.

كلنا نرتكب الذنوب، ولو أننا امتنعنا عن نصح الآخرين لأننا مبتلون بارتكاب الذنوب لما وجدنا واعظا يعِظ أو ناصحا ينصح، إلا أن المستشرفين لا يخشون أن يقولوا ما لا يفعلون، ولا يخشون أن يراهم الناس يفعلون عكس ما يقولون، كل خوفهم ألا يزاحمهم الناس فيما يفعلون ولهذا ينصحون!