حافظت الحركة النقدية على وجودها في عين الإبداع مواكبة وموازية، وتفرعت في إشكال كثيرة، بعضها أثار إشكاليات عدة مثل النقد الصحفي للمنتج الأدبي، وهو ما تمارسه وسائل الإعلام وعلى الأخص الصحف الورقية.

ويرى كثيرون أن النقد الصحفي يخرج من عباءة النقد الأدبي المتخصص، حيث يبدو أقرب لاستعراض الكتب وليس نقدها، على الرغم من أن الموسوعة الفرنسية المعروفة بالإنسيكلوبيديا رأت أن من شروط النقد الثقافي الصحفي أن "يكون بسيطاً واضحاً وسهلاً، وعليه أن يتحاشى أي تكلف في الفصاحة والتبحر".

ويرى أستاذ النقد الأدبي المساعد بجامعة رجب طيب إردوغان الدكتور ممدوح فرّاج النابي أن "هناك فرقا بين النقد الصحفي والنقد المتخصص، ويجب التفريق بين الناقد المتخصص، والصحفي الذي يقوم بعروض الكتب التي هي أشبه بملخصات تفتقر إلى المنهجية والرؤية، فالأول يمتلك أدواته ويستطيع من خلالها الكشف عن المعاني العميقة التي يَسْتَتَرُ خلفها الكاتب".

ويضيف "الناقد الحَصِيفُ لا يقفُ عند المعاني المُبَاشِرَة التي يُلقيها له الكاتب، فثمة هدف بعيد يرمي إليه الكاتب، ومن ثم يجب على الناقد أن يربط بين الخيوط جميعها ليصل إلى دلالة على الأقل قريبة مما يريد الكاتب، وإن كان ماهرا يصل إلى أبعد مما قصده الكاتب في نصه، وهو ما يحدث في الغالب. ويفاجأ به صاحب النص، فيكرِّر عبارة "أنا لم أقصد هذا أثناء الكتابة، ومع هذا فهو حقيقي".

ويتهم كثيرون الصحافة الورقية بأنها منحازة لأسماء بعينها، ما يكرس حالة من الشللية في التعاطي الأدبي، وبالتالي يغيب الحياد الذي يبدو أكثر جلاء ووضوحا في النقد الأدبي مقارنة بنظيره الصحفي، وعن هذا يقول النابي "الحياد من الصّعب بمكانٍ، فالانحياز واردٌ ومتحقِّق بأشكالٍ شَتى، إما عن طريق الإعجاب بالنَّص، حتى وإنْ لم يكن الناقد على دراية بكاتبه، أو عن طريق علاقته بصاحب النص (وما أكثرها). لكن في القليل ثمة نقاد يلتزمون الحيدة التي هي قرين الناقد الذي هو أشبه بقاضٍ يجب أن يتنَّزه عن أي علاقة، بل عليه أن يكون حياديا، وبالتالي لا نستطيع أن نقول إن الناقد لم يتأثر إلا فيما ندر، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، إلا إذا أخفينا اسم الكاتب، وهذا لا يجوز حتى في المسابقات".


حلول

في المقابل يرى آخرون أن الإبداع الأدبي المتخصص لا يمكن أن يواكب الحركة الإبداعية وأن يغطيها بشكل شامل، وهنا يمكن للنقد الصحفي أن يسد بعض الفراغ، وأن يحقق جانبا من تسليط الضوء على المنتج الإبداعي.

ويقر النابي بصعوبة بأن يحيط النقد والناقد بكل ما يكتب، ويقول "من المستحيل أن يحيط الناقد والنقد بكل ما يكتب، لعوامل عدة، منها قلة النقاد في الواقع الثقافي لعوامل كثيرة، وثانيها إسهال التأليف "بتعبير الروائي الكبير محمد مستجاب"، فالأعمال الصادرة تفوق المتابعة، حتى قيل من باب المداعبة "لكلِّ مواطن كاتب" في إشارة لكثرتهم، ومن ثم سيظل الصراع بين الناقد والمبدع إلى دوام، على الأقل الصراع المرتبط بجزئية عدم قدرة الناقد على متابعة الإبداع. وهو اتهام صحيح لكن يراد به باطل".


موافقة

ولا يذهب أستاذ الأدب والنقد المشارك بجامعتي إب والملك خالد، الدكتور عبدالحميد الحسامي بعيدا عن رأي النابي، حيث يوافقه في التوجه فيما يتعلق بمواكبة النقد للحركة الإبداعية، وهو يقول "النقد علم ينهض على معيار، وهو يحتاج لتعلم قبل أن يكون تذوقا وموهبة، بعكس الشعر فهو أكثر قربا من الزاوية الثانية، زاوية الموهبة، فلا يمكن تعلم الشعر لمن لا يكون موهوبا، في حين لا يمكن لمن لم يتعلم النقد أن يكون ناقدا، ولهذا قال أبو عمر بن العلاء "إن علماء الشعر – ويقصد النقاد - أندر من الكبريت الأحمر".

ويضيف "النقد اليوم يشهد تحولا مهولا بفعل الدراسات اللسانية فهو تيارات ومدارس متداخلة متباينة، وقد غدا علما له قواعده وأصوله التي لا تنفع معها التهويشات ولا الاجتهادات التذوقية فحسب".

ويطالب الحسامي بضرورة أن تضطلع المؤسسات العلمية والأقسام المختصة في الجامعات باحتضان فعاليات نقدية جادة على الأخص فيما يتعلق بالمشهد السعودي، كما يرى تفعيل المجلات النقدية المتخصصة فضلا عن المؤتمرات النقدية للشعر والسرد التي ينبغي لوزارة الثقافة تبنيها دوريا، فالمشهد الإبداعي كل يوم يشهد جديدا من الإصدارات لا تواكبها حركة نقدية جادة تقوم بالتقويم والتوجيه.