جدلية المثقف والسياسي لن تنتهي طالما بقيت الأنظمة التقليدية للحكم هي السائدة على الأرض، وطالما ظل السياسي يفكر بانتهازية في ظل غياب القانون وقوته، وطالما بقيت على الأرض شعوب تستمرئ العيش تحت نير السلطة التي تسعى دائما إلى إذلال العقل وامتهانه.
اليمن حاليا يعيش صراع المثقفين إضافة إلى صراع السياسيين، ويبدو التباين فيما بينهم واضحا جدا، على كل المستويات تقريبا. غير أن أغراض اختلاف بعض المثقفين هذه المرة لا تختلف كثيرا عن أغراض السياسيين، واقتربت تحليلاتهم وأمانيهم من الواقع أكثر مما كانوا يرسلون عادة في أشعارهم أو رواياتهم، وظهرت خياراتهم البعيدة عن أطروحاتهم الرومانسية في المزاولة الثقافية، وهذا واقع حتمي فرضته زوابع الوضع الراهن المتأزم جدا في اليمن، لكن أحد أبرز من لفتوا انتباهي من خلال كتاباتهم عن الساحة اليمنية، كان الروائي "مروان الغفوري"، وأظنه من الكتاب الواقعيين جدا في قراءاته وتحليلاته، إذ يقول في إحدى كتاباته:
"وحدثت الحرب التي ستضع نهاية لزمن الفاشية، فالفاشيات التي تنشأ بتلك الطريقة، لا تسقط سوى بحروب ضارية، وهي تخوض تلك الحروب، لأنها لا تستطيع الانتقال من طور (تفجير الجسور) إلى طور وزارات الأشغال، وتجد في السلم كلفة أعلى من الحرب.
وفي المسألة الحوثية ثمة عاملان يجعلان من اضمحلال تلك الجماعة أمرا متوقعا: العقيدة الدينية لقياداتها، والعامل الخارجي الذي يريد منها أن تعمل بندقية إيجار على الدوام. والحرب التي تجري الآن ضد الميليشيا والعصابات بتآلف دولي واسع اشتركت فيه اليمن أيضا، كدولة وشعب، ليس سوى محاولة لإجلاء أمّة كبيرة مختطفة ونقلها إلى زمن آمن.
وتقول كل المقدمات والوقائع إن جماعة الحوثي والعصابات وضعت اليمن أمام واقع موحش، وتركت الحرب أمامه خيارا وحيدا، وكذلك فعلت مع الآخرين في الخارج.
ومنذ 2004 والحوثيون يخوضون حروبا، ولم تتوقف حروبهم مرّة واحدة. وليس لصراخهم من الحرب الآن أي معنى، فهم لم يتوقفوا نهارا واحدا عن الحرب منذ 11 عاما. وقبل ثلاثة أشهر أمر الحوثي جماعته باقتحام البيضاء، قائلا بتصميم كاليغولي "وليغضب من يغضب، وليصرخ من يصرخ".
وليست الحرب الراهنة حربا إضافية ولا هي جديدة. الجديد فيها هو أن الحوثي انهزم أخيرا، وهذا ما جعلها بالنسبة له عدوانا.
أما الخسارات الاقتصادية والبنية التحتية فهذه أسوأ الحجج وأعظمها سطحية. فتصنيف اليمن الائتماني كـ"دولة حروب أهلية" هو أسوأ ما أصاب اليمن اقتصاديا خلال العشر سنوات الأخيرة. ومنذ سقوط صنعاء وحتى شهر مارس سُجّل في اليمن مشروع استثماري وحيد، كما في تقرير نشره العربي الجديد! بينما خسر بسبب حروب الحوثي الأخيرة حوالي مليون شخص وظائفهم.
قدم الحوثي مشروعه: حربا طويلة الأمد ضد كل الناس. لكن آخرين قالوا له: لنجعلها حربا حاسمة وقصيرة الأمد، وضد خصوم محدّدين على طريقة حكماء الزمن القديم: "وجع ساعة ولا كل ساعة".
هذا الجزء المقتطع من قراءة "الغفوري" يضع نقاطا مهمة على حروق القصة السياسية اليمنية، أكثر مما يضعه على حروفها، ويمنح الإنسان اليمني فرصة حقيقية، لتأمل ماذا فعل به المتصارعون على الكراسي، والبحث عن تحقيق الأطماع على طريقتهم الديماغوجية، غير آبهين بما سيحل بذلك المطحون في الشارع حتى وإن امتد ذلك أبداً. وهي باختصار قصة البراغماتية السياسية، والفوضى التي تفضل العمل تحت مظلتها، وتحالف ثالوثها التاريخي (السلطة والدين والمال).
فهل سيعمل المثقف اليمني على تطبيق المثل أعلاه "وجع ساعة ولا كل ساعة"، ولكن على الجانب المعاكس لتطبيقات عصابات الحوثيين وميليشيات علي صالح، إذ لا أتصور أن يصطف المثقف النبيل إلى جوار السياسيين الانتهازيين، بقدر اصطفافه إلى جوار اليمن الوطن، لرسم معالم الدولة المدنية المستقبلية التي طالما حلمنا بها، والتخلص من مخالب دولة الفساد العميقة، وفكرة دولة العمائم السوداء، من خلال بناء وعي اجتماعي خلاق، قادر على إحداث التغيير الذي تبحث عنه كل الأجيال في اليمن بلا استثناء. لا أطالب المثقف هنا بالتخلي عن عواطفه في ظل هذه الظروف والمتغيرات العصيبة، وأعرف أنه من الصعب أيضا أن تنتصر العواطف على العقل بعد تجربة مريرة، ولكني أبحث معه عن نقطة وعي مفترضة، يمكن من خلالها طرح مشروع لما بعد وليس لما قبل. ليكون قلم المثقف أعلى صوتا من رصاص المتحاربين على خارطة اليمن الجديد، ولأن المثقف أكثر وأبعد تأثيرا في مسيرة أمته.