حطم مجموعة من أشقياء تنظيم داعش التكفيري الإرهابي تماثيل ومحتويات متحف الموصل التي يصل عمرها إلى آلاف السنين، والتي لا يمكن أن تقدر قيمتها المعنوية بأي ثمن، كونها تمثل تاريخ تطور ورقي الإنسان في العالم أجمع. التماثيل والمخطوطات ومحتويات أي متحف في العالم تمثل إرثا للحضارات الإنسانية جمعاء، ولو أسميناها بالآثار الآشورية أو الفرعونية أو اليونانية. أي بأن كل متحف في العالم يحتضن داخله جزءا عزيزا من تاريخ الإنسانية، الإنسانية جمعاء، حتى ولو تسمت باسم خاص بها. إذاً فحق للعالم، كل العالم، بأن يغضب أو يصيبه الذعر والهلع، وهو يشاهد مقتنيات متحف تحطم أو تحرق أو يصيبها ضرر أو تلف.

ولذلك فمن السهل على داعش أو غيره من الحركات التكفيرية أن يحطم آثار الحضارة الإنسانية، كونها قبل ذلك كفرت بالإنسان نفسه، حيث حطمته وقتلته وشردته وباعته وسحقته ونحرته وأحرقته ومثلت بجسده، وبدون أي رادع أو تأنيب ضمير. إذاً هي جردت نفسها من الإنسانية نفسها، وقدمت نفسها عدوة له، فما المستغرب بأن تقوم بتكسير وتحطيم شواهد التاريخ الإنساني العظيم. فتحطيم آثار تاريخ الحضارة الإنسانية هو إعلان صريح بالانسلاخ من الإنسانية نفسها، حاضرها وقديمها، ومناصبة العداء لها. إبليس أصبح ملعونا في السماء والأرض بسبب احتقاره الإنسان ورفضه السجود لأب الإنسانية آدم عليه السلام، كونه -كما يدعي- أنه أفضل منه، لأنه خلق من مارج من نار، والإنسان خلق من طين، وتجاهل بأن هذا الطين أصبحت له قداسة، كون الله تعالى نفخ فيه من روحه.

أما الدواعش، فما حجتهم بكرههم الإنسان ومناصبتهم العداء له؟ وهم قد خلقوا من طين مثلهم مثل باقي البشر! إنهم على هذا الأساس أكثر إبليسية من إبليس نفسه، كونهم يحملون الروح نفسها التي يحملها الإنسان نفسه. أي أنهم يكفرون بروح الله التي نفخها في آدم، إذاً فما بعد هذا الكفر كفر.

أرسل الله رسله للعالمين من أجل الحفاظ على حياتهم ومكتسباتهم وعزتهم وصيانة كرامتهم. فأي دين يعتدي على حياة البشر ويدمر مكتسباتهم، ويهينهم ويذلهم ويهشم إنسانيتهم، هو بالطبع ليس بأي حال من الأحوال دين. ناهيك عن أن يكون الإسلام آخر الديانات وجامع كل ما فيها من حسنات.

الإسلام، مثله مثل أي دين سماوي يمثل حضارة، ولذلك وبكل أريحية، تقبل الإسلام الحضارات التي قبله واستوعبها وتلاقح معها، وأضاف لها وعليها، وأسهم في الإعلاء من شأنها، خاصة جانبها الإنساني وسلمها لمن أتى بعده من حضارات. فهل داعش تمثل حضارة؟ وهي تدمر كل جسم أو رسم حضاري! الجواب بالطبع لا. إذاً، فهي لا تمثل الإسلام، أو لنكن أكثر دقة، لا تمثل روح الإسلام ولا منهاجه الحضاري الإنساني. ولكن الدواعش هم مسلمون، ولا يقدمون على أي فعل غير حضاري ومشين ضد الإنسانية، إلا ويسندونه إلى رأي أو قول من التراث الإسلامي.

السؤال هو من أين أتى هذا التناقض بين الإسلام كحضارة إنسانية، وبين هؤلاء من المسلمين الذين يكرهون الحضارة ويحاربونها ويحطمون معالمها؟ وكما قلت أعلاه، بأن الحضارة والحفاظ على الإنسان روحا ومادة، هي روح الإسلام، ويصدق هذا على الأديان الأخرى. إذاً، فهل هنالك مسلمون لا يحملون في صدورهم روح الإسلام التي تمثل الحضارة وإعمار الأرض، وصيانة الإنسان روحا ومادة؟ نعم، هنالك بين المسلمين من يتمسكون بالإسلام شكلا وطقوسا، ويمكن عاطفة، ولكن بعيدا عن روحه وسموه، ولذلك يجدون أنفسهم يناقضونه ويصبحون أعداءه، وعوا ذلك أم لم يعوا.

والسؤال الثاني هو لماذا هم يقعون في مثل هذا التناقض المذموم، التمسك بالإسلام، وبالوقت نفسه هدمه وتشويهه؟ وللجواب عن هذا السؤال يجب التأكيد على أن الدين هو حضارة، بجانب طقوسه ومقدساته، والإسلام هو كذلك. الإسلام ظهر أول ما ظهر في مكة المكرمة التي هي مدينة تجارية اتصلت وتواصلت حضاريا وماديا مع الحضارات المحيطة بها، وعليه فهمت الحضارة وقدرتها شكلا ومضمونا. ليس ذلك فقط، وإنما تشاهد شواهد الحضارات التي سبقتها في الجزيرة العربية قائمة، تدل عليها وعلى إنجازاتها.

نعم إنه من الخطأ الفادح القول الذي يكرره بعض المستشرقين وحتى بعض المسلمين بأن الإسلام ظهر في منطقة بدائية جاهلة. كانت مكة قبل الإسلام مركزا تجاريا عالميا يربط شرق العالم بغربه، ولا يمكن أن يقوم بهذا الدور غير شعب واع، له دراية بما يدور حوله من حضارة وتمدن. وكانت مكة كذلك مركزا لحج العرب وتبادلهم التجاري. هذا غير كونها منار علم وإشعاعا ثقافيا في الجزيرة العربية من خلال سوق عكاظ الثقافي الحضاري.

إذاً، لما ظهر الإسلام في مكة، ظهر في عاصمة الجزيرة العربية التجارية والثقافية والحضارية، وعليه استقبلوه كحضارة. وعندما تحركت الجيوش العربية الإسلامية لضم المناطق العربية المجاورة لها، كنوع من تحصين الذات وإبعاد الأخطار المحدقة بها، كانت الجيوش العربية الإسلامية مشهودا لها بالحفاظ، ليس فقط على أرواح الناس المسالمين، وإنما حتى على أموالهم وأشجارهم وأحجارهم ودياناتهم وأماكن عباداتهم ورجال دينهم. دخلت الجيوش العربية الإسلامية العراق والشام ومصر وفارس وغيرها من المناطق القصية، وكلها تحمل آثارا للحضارات القديمة، ولم تعتد على أي منها. بل حافظت عليها، وهذا ليس بمستغرب لكونها تحمل الإسلام روحا (حضارة) وشكلا وطقوسا وعاطفة. وعليه فلا يمكن بأن تعادي حضارة حضارة أخرى، بل تحافظ عليها وتستوعبها وتضيف إليها، لتسهم في بناء الحضارة الإنسانية، وهذا ما حدث فعلا من المسلمين.

نعم كان العرب قبل وبعد الإسلام يقطنون حواضر وبوادي العالم العربي. أهل الحواضر هم -كما ذكرت أعلاه- من كانوا يتصلون ويستوعبون ويتفاعلون، أو على الأقل، يعرفون الحضارات التي تحيط بهم. أما أهل البوادي فكانوا نوعا ما في معزل عن الحضارات البعيدة وحتى القريبة منهم، كونها لا تعني لهم شيئا يذكر من ناحية معيشتهم القاسية وثقافتهم الجامدة، كون معرفتهم بها لن تثريهم لا معيشيا ولا معنويا.

وعلى هذا الأساس ظهرت لدينا قراءتان للإسلام، قراءة متحضرة وقراءة بدائية، وكل واحدة منها قرأت الإسلام حسب حاجتها المعيشية له. القراءة الحضارية للإسلام هي التي قدرت الحضارات وأنتجت حضارة تفوقها. والقراءة البدائية أنتجت لنا بدائية شبه متوحشة كالبيئات التي نبعت منها. وهنا تحولت كل قراءة منها إلى عقيدة اجتهادية في الدين الإسلامي. وعلى هذا الأساس حمل التراث الإسلامي القراءتين جنبا إلى جنب في التراث الإسلامي. وأصبح المتحضر من المسلمين ينهل من قراءة الإسلام المتحضرة ويطورها ويضيف إليها. وكذلك أخذ البدائي القراءة البدائية لفهم الدين الإسلامي، وأسقط عليها توحشه وعدم تسامحه مع الآخر، ناهيك عن فهم حضارته وعليه تقديرها.

وأصبحت كل قراءة من القراءتين عقيدة يتقرب بها المسلم إلى ربه، وما داعش والحركات التكفيرية الأخرى إلا نتاج القراءة البدائية المتوحشة للإسلام التي تعتمد على كمٍّ هائل متراكم من تراث القراءة البدائية للإسلام. ولكن في النهاية لن يصح إلا الصحيح، فالإسلام المتحضر هو من سيصمد، وأما البدائية فستنهي نفسها بنفسها، فالجاهل عدو نفسه.