الفلسفة لا تعرّف وإنما تدرس وتطبق، ولو أن باحثاً أراد أن يجمع تعريفات الفلسفة منذ زمن ما قبل سقراط وحتى يومنا الحالي فسيجد أنه خرج بكتاب متوسط الحجم، لا يحوي سوى التعاريف، وكل تعريف منها يضيف معنى جديداً، وينطلق من زاوية أخرى للصورة، كل بحسب المذهب الذي يتبناه. القراءة فيها يمكن أن تنحرف عن مسارها الصحيح فيتوه القارئ ويمل فيخرج بأنه لا يمكن أن تُفهم. هاهنا خطة بسيطة للدراسة، تسهل لمن أراد أن يتعلم أم العلوم وسيدة المعرفة، أحصرها بثلاث خطوات أو أقسام: 1- المشكلات 2- التأريخ 3-التخصص. هناك كتب كثيرة تحمل اسم مدخل إلى الفلسفة، كثير منها جيد، مثل مدخل إمام عبد الفتاح إمام، ومقدمة في الفلسفة العامة ليحيى هويدي، والفلسفات الكبرى- بيير دوكاسييه، ولا أضع معها كتاب جيم هانكنسن "المرشد إلى الفلسفة" فهو كتاب سخيف هدفه السخرية من الفلاسفة لما عجز المؤلف أن يفهم كلامهم. لكن أفضل كتاب- من وجهة نظري- يمكن البداية به، هو كتاب هنتر ميد (الفلسفة ومشكلاتها)، فهذا الكتاب على اسمه، يذكر كل المسائل التي تطرق لها الفلاسفة منذ تأسيس هذا العلم وأحاط بكل المذاهب الفلسفية المعروفة منذ زمن اليونان وانتهاء بالوجودية روح القرن العشرين وجيرانها. هذا الكتاب يكفي وحده لتغطية القسم الأول من الدراسة، بطبيعة الحال المشكلات الفلسفية تتجدد وتتفرع وتستحدث، لكن الإحاطة والاستظهار والإلمام بكتاب هنتر ميد يعطي الطالب الأسس التي ينطلق منها لفهم ما يستجد ويجعل من عقله عقل فيلسوف من الدرجة الثانوية، إن تصورنا أن الفلاسفة قسمان: القسم الثانوي هو ذاك الملم والمستوعب لكل المذاهب والمشكلات كأكاديمي يدرس الفلسفة طوال عمره، أما القسم الأساس فيعني أولئك الفلاسفة الكبار الذين لهم رؤية مستقلة ولهم مشاريع هزت الدنيا. لم يشغل هنتر ميد باله بذكر أسماء الفلاسفة وتفاصيل مذاهبهم، بقدر ما انشغل بتحقيق شرطه في الكتاب ألا وهو استيعاب المشكلات الفلسفية، ومن ورد اسمه في الكتاب فإنما ورد بصورة عرضية وللضرورة، ولعل طول الفترة التي قضاها هنتر ميد في تدريس الفلسفة هي التي ساعدته لإخراج هذا السفر المميز الذي لا يقرأ مرة واحدة، بل يدرس ويستفهم عن كل جملة غامضة فيه، حتى يصل الطالب للفهم الكامل له، وبذلك يتجاوز 101 فلسفة، لينطلق منه للتأريخ، وكتاب برتراند راسل "حكمة الغرب" خيار ممتاز وكاف، فبرتراند راسل بالإضافة لكونه مؤرخا، هو أبو الفلسفة التحليلية، كما يمتاز بأسلوب فريد في الكتابة وخفة ظل وسخرية لاذعة، عوامل اجتمعت فجعلته ما يزال مقروءاً إلى يومنا الحاضر. ويمكن لمن أراد التوسع أن يقرأ لبرتراند راسل كتابه اللذيذ "تأريخ الفلسفة الغربية وعلاقتها بالظروف السياسية والاجتماعية منذ الأزمنة المبكرة وحتى يومنا الحالي"، وعلى طول عنوانه هو كتاب رائع وما قدمت "حكمة الغرب" عليه إلا لأن ترجمته العربية سيئة وغير متوافرة. هناك كتابان مهمان في التاريخ أحدهما: "قصة الفلسفة الغربية" لزكي نجيب محمود و"تاريخ الفلسفة الحديثة" ليوسف كرم، ويمكن الاستزادة في قسم التاريخ بقراءة الموسوعة الضخمة من ثمان مجلدات للفرنسي إميل برهييه المسماة "تاريخ الفلسفة"، وهذا الكتاب ليس مجرد تأريخ، بل يستفتح بذكر سمات ومظاهر كل قرن، ويحوي تحليلاً ونقداً لآراء الفلاسفة ومناقشتها، وهذا شأن الفيلسوف عندما يؤرخ للفلسفة فهو لا يكتفي بالسرد، بل لا يستطيع إلا أن يقول رأيه ويرجح مذهبه، وهذا ينطبق على كل من قرأت لهم بمن فيهم برتراند راسل، كما ينطبق بقوة على الموسوعة الفلسفية الروسية. لم يبق هنا إلا التخصص، والتخصص خيار شخصي لا يحتاج إلى مرشد، فدراسة مشكلات الفلسفة وتاريخ برتراند راسل كافيان لكي يصبح لدى الإنسان رؤيته الخاصة بحيث يعرف ماهيته فيحقق وجوده، أن يعرف هل هو مثالي أم مادي، هل هو وجودي أم إنساني، هل يميل للمدرسة الألمانية أم الإنجليزية أم الفرنسية وهكذا. عندها سيجد ميولاً قوية للقراءة لأناس معينين تجمعه معهم مدرسة واحدة، وقد يجد من نفسه تقلباً ومزاجية وتحول من مذهب إلى آخر، وهذا ليس بعيب ولا يعني أي شيء، سوى أنه لم ينضج بعد، ولذلك لا بد أن يقرأ المزيد ويناقش ويستفيد من تجارب الآخرين ومعارفهم ورؤيتهم، ويكفي الفلسفة شرفاً ومنّة على الإنسان أن أوصلته لهذه الغاية، أن يعرف نفسه على طريقة سقراط الحكيم، أن يعرف نفسه حق المعرفة حيث هو ووجوده، ثم بعد ذلك يختار ما شاء أن يختار.