قمة البؤس والأسى أن تقصر استطالة نفر ظنوا أنهم حاملو مفاتيح الخلاص، ومعاجم التغيير ومتعاليات التأثير، وتحولات الوعي والذائقة، فإذا بهم يكتشفون أن قصورهم طلاء، وتنظيراتهم متاهات واشتغالاتهم تخوم وسراب، وقفوا مذهولين أمام حركة الحياة والزمن كما وقف ذلك الشاب يحمل اختراعه ويطلب تبنيه أمام مسؤول متغافل ليرد عليه "يا ولدي في هذا الزمن ما يمشي إلا صاحب الحنجرة والكندرة".

هكذا جسّد المشهد ولامسه بحرقة ضارية رسام الكاريكاتير "هاجد" في صحيفة "الجزيرة" ذات يوم. تُري ماذا سيفعل المفكرون والمثقفون والمخترعون بغبار معاملهم ومحابرهم وضجيج منابرهم، ونحيب أبجديتهم وإيقاع قصائدهم وتشنجات حناجرهم، ودهشة سردياتهم وتقنية وروعة لوحاتهم وخصوبة أطروحاتهم؟، لا شيء سوى أن يدركوا أنهم قليلو الجدوى والفائدة، ويمثلون حالة الضعف والنكوص والاعتلال، أمام حنجرة تهز المسرح وتذهب بالمتلقي إلى عوالم من النشوة والطرب ومطارح من الشعور الفائض، ولمعة الإحساس والمرح والرهافة واللذة الغامضة، والأمنيات بالحصول على صورة تذكارية، ومعرفة أكلته المفضلة وعدد أسنانه، رغم ما اختطفه من جيوبهم من دراهم مقابل الإصغاء إلى نحيبه وشوقه وكذبه حين يقول "ونحول جسمي وانعقاد لساني"، وهو أثقل من شاحنة الشعير، أما رموزنا من أهل المدورة والساحرة ومجنونة الجماهير "كرة القدم" فقد كفتني مؤونة الحديث عنهم الكاتبة "صيغة الشمري" حين تناولت مسيرتهم الظافرة تحت عنوان "هيا بنا نلعب"، تقول:

"في السعودية الكل يحلم بأن يكون لاعب كرة قدم، فراتبها أعلى من مرتب "الفالح" مدير أكبر شركة نفط في العالم، هذا الفالح الذي إذا لم يذهب إلى مكتبه صباح يوم من الأيام، اهتزت قلوب وأفئدة دول وأسواق عالمية، اذهبوا إليه واسألوه عن مرتبه الشهري إن تجاوز راتب أحد لاعبي منتخبنا سأعلن توقفي عن الكتابة مدى الدهر، إنها اللعبة التي تغنيك عن أن تكون وزيرا أو عالما أو مخترعا، ولا يكلفك ذلك سوى أن تكون فاشلا دراسيا، ولا تحمل مؤهلات علمية ولا يُرجى منك شيء"، هذا ليس تشفيا من "الشمري" أو حقدا أو كراهية، ولكنه تعبير عن التسليم والارتهان لذلك الاختلال في موازين المجتمعات، والإفصاح عن الغبن والحصار اللذين يعيثان في محدودية التفكير لدى العامة وغير العامة، والإمعان في تعاظم هذه الظاهرة وتداعياتها على الذهنية المجتمعية، وكيفية ضبط وتقنين مثل هذه المفاهيم، والافتتان بالهوامش دون المتن، وبالسطوح دون العمق والعناء العقلي الناضج، فالاحتكام إلى سياق العصر ومتطلباته والانتساب إلى منجزاته الحية والضاجة والمحتدمة، يجعلنا نعيد التفكير، ويفرض الحوار مع الذات والمجتمع حول هذا المشهد الفجائعي الضاغط.